فهرس الكتاب
ج / 21 ص -57- بالمدينة في حال إقامته بها بخلاف ما يقوله أصحاب الظواهر أن الرهن لا يجوز إلا في السفر لظاهر قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]
والتعليق بالشرط يقتضي الفصل بين الوجود والعدم ولكنا نقول ليس المراد به الشرط حقيقة بل ذكر ما يعتاده الناس في معاملاتهم فإنهم في الغالب يميلون إلى الرهن عند تعذر إمكان التوثق بالكتاب والشهود والغالب أن يكون ذلك في السفر والمعاملة الظاهرة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا فالرهن في الحضر والسفر دليل على جوازه بكل حال ثم ذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال يترادان الفضل في الرهن وفيه دليل أن المقبوض بحكم الرهن يكون مضمونا ثم بيان هذا اللفظ أنه إذا رهن ثوبا قيمته عشرة بعشرة فهلك عند المرتهن سقط دينه فإن كانت قيمة الثوب خمسة يرجع المرتهن على الراهن بخمسة أخرى وهو مذهبنا أيضا وإن كانت قيمته خمسة عشر فالراهن يرجع على المرتهن بخمسة وهو مذهب علي رضي الله عنه وبه أخذ بعض الناس ولسنا نأخذ بهذا وإنما نأخذ بقول عمر وبن مسعود رضي الله عنهما فإنهما قالا إنه مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين فإذا كانت القيمة أكثر فالمرتهن في الفضل أمين وهكذا روى محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه أن المرتهن في الفضل أمين وحاصل الاختلاف فيه بين العلماء رحمهم الله على ثلاثة أقاويل فعندنا هو مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين وعند شريح رحمه الله هو مضمون بالدين قلت قيمته أو كثرت فإنه قال الرهن بما فيه وإن كان خاتما من حديد بمائة درهم وفي إحدى روايتي علي رضي الله عنه يترادان الفضل هذا بيان الاختلاف الذي كان بين المتقدمين رضي الله عنهم في الرهن إلى أن أحدث الشافعي رحمه الله قولا رابعا إنه أمانة ولا يسقط شيء من الدين بهلاكه.
واستدل في ذلك بحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلوات الله عليه وسلامه قال"لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه"وفي رواية"الرهن من راهنه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه"وزعم أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يغلق الرهن"لا يصير مضمونا بالدين فقد فسر ذلك بقوله"الرهن من راهنه الذي رهنه"أي من ضمان راهنه وقوله صلى الله عليه وسلم"وعليه غرمه"أي عليه هلاكه فالغرم عبارة عن الهلاك قال الله تعالى {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} [الواقعة:66] أي هلكت علينا أموالنا والمعنى فيه أن الرهن وثيقة بالدين فبهلاكه لا يسقط الدين كما لا يسقط بهلاك الصك وموت الشهود وهذا لأن بعقد الوثيقة يزداد معنى الصيانة فلو قلنا بأنه يسقط دين المرتهن بهلاكه كان ضد ما اقتضاه العقد لأن الحق به يصير بعرضة الهلاك وذلك ضد معنى الصيانة والدليل عليه أن عين الرهن ما زاد على قدر الدين أمانة في يد المرتهن والقبض في الكل واحد وما هو موجب الرهن وهو الحبس ثابت في الكل فلا يجوز أن يثبت حكم الضمان بهذا القبض في البعض دون البعض والدليل عليه أن عين الرهن تهلك على ذلك الراهن حتى لو كان عبدا فكفنه على الراهن ولو استحق