فهرس الكتاب

الصفحة 5453 من 5509

ج / 30 ص -212- وفي هذا بيان أن المرء باكتساب مالا بدله منه ينال من الدرجات أعلاها وإنما ينال ذلك بإقامة الفريضة ولأنه لا يتوصل إلى إقامة الفرض إلا به فحينئذ كان فرضا بمنزلة الطهارة لأداء الصلاة وبيانه من وجوه أحدها أن يمكنه من أداء الفرائض بقوة بدنه وإنما يحصل له ذلك بالقوت عادة ولتحصيل القوت طرق الاكتساب أو التغالب بالانتهاب والانتهاب يستوجب العقاب وفي التغالب فساد والله تعالى لا يحب الفساد فعين جهة الاكتساب لتحصيل القوت فقال عليه السلام:"نفس المؤمن بطنته فليحسن إليها"يعني الإحسان بأن لا يمنعها قدر الكفاية وإنما لا يتوصل إلى ذلك إلا بالكسب كما لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا بالطهارة ولا بد لذلك من كوز يستقي به الماء أو دلو أو رشا ينزح به الماء من البئر وكذلك لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا بستر العورة وإنما يكون ذلك بثوب ولا يحصل له ذلك إلا بالاكتساب عادة وما لا يتأتى إقامة الفرض إلا به يكون فرضا في نفسه ثم الكسب طريق المرسلين صلوات الله عليهم وقد أمرنا بالتمسك بهداهم قال الله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] وبيانه أن أول من اكتسب أبونا آدم عليه السلام قال الله تعالى: {فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117] أي تتعب في طلب الرزق وقال مجاهد في تفسيره لا تأكل خبزا بزيت حتى تعمل عملا إلى الموت.

وفي الآثار: أن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض أتاه جبريل عليه السلام بالحنطة وأمره أن يزرعها فزرعها وسقاها وحصدها ودرسها وطحنها وخبزها فلما فرغ من هذه الأعمال حان وقت العصر أتاه جبريل عليه السلام وقال إن ربك يقرؤك السلام ويقول أن صمت بقية اليوم غفرت لك خطيئتك وشفعتك في أولادك فصام وكان حريصا على تناول ذلك الطعام لينظر يجد له من الطعم ما كان يجد لطعام الجنة فمن ثمة حرص الصائمون بعد العصر على تناول الطعام.

وكذا نوح عليه السلام كان نجارا يأكل من كسبه. وإدريس عليه السلام كان خياطا وإبراهيم عليه السلام كان بزارا على ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عليكم بالبزر فإن أباكم كان بزارا"يعني الخليل عليه السلام وداود عليه السلام كان يأكل من كسبه على ما روي أنه كان يخرج متنكرا فيسأل عن سيرة أهل مملكته حتى استقبله جبريل عليه السلام يوما على صورة شاب فقال له كيف تعرف داود أيها الفتى فقال نعم العبد داود إلا أن فيه خصلة قال وما هي قال إنه يأكل من بيت المال وإن خير الناس من يأكل من كسبه فرجع داود عليه السلام إلى محرابه باكيا متضرعا يسأل الله تعالى ويقول اللهم علمني كسبا تغنيني به عن بيت المال فعلمه الله تعالى صنعة الدرع ولين له الحديد حتى كان الحديد في يده كالعجين في يد غيره قال الله تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ: 10] وقال عز وجل: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} [الأنبياء: 80] فكان يصنع الدرع ويبيع كل درع باثني عشر ألفا فكان يأكل من ذلك ويتصدق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت