فهرس الكتاب
ج / 4 ص -196- أستشير أبوي؟ أنا أختار الله تعالى ورسوله ولما لم يخيرها هنا دل أنه لا خيار للصغيرة إذا بلغت وقد زوجها أبوها وذكر ذلك في الكتاب عن إبراهيم وشريح رحمهما الله تعالى.
وابن سماعة رحمه الله تعالى ذكر فيه قياسا واستحسانا قال في القياس يثبت لها الخيار لأنه عقد عليها عقدا يلزمها تسليم النفس بحكم ذلك العقد بعد زوال ولاية الأب فيثبت لها الخيار كما لو زوجها أخوها ولكنا نقول تركنا القياس للحديث ولأن الأب وافر الشفقة ينظر لها فوق ما ينظر لنفسه ومع وفور الشفقة هو تام الولاية فإن ولايته تعم المال والنفس جميعا فلهذا لا يثبت لها الخيار في عقده.
وليس النكاح كالإجارة لأن إجارة النفس ليست من المصالح وضعا بل هو كد وتعب وإنما تثبت الولاية فيه على الصغير لحاجته إلى التأدب وتعلم الأعمال وذلك يزول بالبلوغ فلهذا أثبتنا لها الخيار قال وفي الحديث دليل فضيلة عائشة رضي الله تعالى عنها فإنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين في بدء أمرها وقد أحرزت من الفضائل ما قال صلوات الله عليه:"تأخذون ثلثي دينكم من عائشة"وفيه دليل أن الصغيرة يجوز أن تزف إلى زوجها إذا كانت صالحة للرجال فإنها زفت إليه وهي بنت تسع سنين فكانت صغيرة في الظاهر وجاء في الحديث أنهم سمنوها فلما سمنت زفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال: وبلغنا عن إبراهيم أنه كان يقول إذا أنكح الوالد الصغير أو الصغيرة فذلك جائز عليهما وكذلك سائر الأولياء وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله تعالى فقالوا: يجوز لغير الأب والجد من الأولياء تزويج الصغير والصغيرة وعلى قول مالك رحمه الله تعالى ليس لأحد سوى الأب تزويج الصغير والصغيرة وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى ليس لغير الأب والجد تزويج الصغير والصغيرة فمالك يقول القياس أن لا يجوز تزويجهما إلا أنا تركنا ذلك في حق الأب للآثار المروية فيه فبقي ما سواه على أصل القياس والشافعي رحمه الله تعالى استدل بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تنكح اليتيمة حتى تستأ مر". واليتيمة الصغيرة التي لا أب لها.
قال صلى الله عليه وسلم:"لا يتم بعد الحلم"فقد نفي في هذا الحديث نكاح اليتيمة حتى تبلغ فتستأ مر.
وفي الحديث أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه عثمان بن مظعون من بن عمر رضي الله تعالى عنه فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"إنها يتيمة وإنها لا تنكح حتى تستأمر"وهو المعنى في المسألة فنقول: هذه يتيمة فلا يجوز تزويجها بغير رضاها كالبالغة وتأثير هذا الوصف أن مزوج اليتيمة قاصر الشفقة عليها ولقصور الشفقة لا تثبت ولايته في المال وحاجتها إلى التصرف في المال في الصغر أكثر من حاجتها إلى التصرف في النفس فإذا لم يثبت للولي ولاية التصرف في مالها مع الحاجة إلى ذلك فلأن لا يثبت له ولاية التصرف في نفسها كان أولى وحجتنا قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3] معناه في نكاح اليتامى وإنما يتحقق هذا الكلام إذا كان يجوز نكاح اليتيمة.