الصفحة 136 من 253

أَمَّا بعدُ فَنِعْمَ البَديلُ من الزَّلَّةِ الاعتذارُ [1] ، وبئْسَ العوَضُ من التَّوبةِ الإِصْرَارُ [2] .

(8) وقال عبد الله بنُ طاهر [3] :

لَعَمْرُكَ مَا بِالْعَقْلِ يُكتَسَبُ الغنى ... ولا باكْتِساب المالِ يُكتَسبُ العَقْلُ

(9) وقال ذو الرُّمَّة [4] :

لَعَلَّ انْحِدَارَ الدَّمْعِ يُعْقِبُ راحةً ... مِنَ الْوَجْدِ أو يشفي شجيّ البلابل [5]

(10) وقال آخر [6] :

عَسَى سائلٌ ذو حاجَةٍ إن مَنَعْتَهُ ... مِنَ اليَوْمِ سُؤالًا أن يُيَسَّرَ في غَدِ [7]

البحثُ:

الأمثلة المتقدمة جميعها إنشائية لأنها لا تحتمل صدقًا، ولا كذبًا، وإذا تدبرتها جميعها وجدتها قسمين فأمثلة الطائفة الأولى يطلب بها حصول شيء لم يكن حاصلا وقت الطلب، ولذلك سميَ الإنشاء فيها طلبيًّّا. أما أمثلة الطائفة الثانية فلا يطلب بها شيء. و لذلك يسمَّى الإنشاء فيها غير طلبي.

تدبر الإِنشاءَ الطلبيَّ و أَمثلة الطائفة الأولى تجده تارة يكون بالأمر كما في المثال الأَول، و تارة بالنهي كما في المثال الثاني. و تارة بالاستفهام كما في المثال الثالث، و تارة بالتمني كما في المثال الرابع، وتارة بالنداء كما في المثال الخامس. و هذه هي أَنواع الإنشاء الطلبي التي سنبحث عنها في هذا الكتاب [8] .

اُنظر إلى أمثلة الطائفة الثانية تجد وسائل الإنشاء فيها كثيرة، فقد يكون بصيغ التعجب كما في المثال السادس، أَو بصيغ المدح و الذم كما في

(1) - البديل: البدل، و الزلة: السقطة في الكلام و غيره، يقول: إن مقابلة الزلل بالاعتذار محمودة.

(2) - الإصرار عقد النية على البقاء على الذنب، يعني أنه يحب على المذنب أن يتوب من ذنبه وألا يصر على ارتكابه.

(3) - العقد الفريد - (ج 1 / ص 167)

(4) - من شعراء دولة الأموية و كان بليغ الكلام لسانا أخذ من ظريف الشعر و حسنه ما لم يسبقه إليه أحد.

والبيت في تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي - (ج 1 / ص 78) وشرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 289) والبديع في نقد الشعر - (ج 1 / ص 39) ومصارع العشاق - (ج 1 / ص 148) وتزيين الأسواق في أخبار العشاق - (ج 1 / ص 66) ولباب الآداب للثعالبي - (ج 1 / ص 50) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 212) والأغاني - (ج 2 / ص 94)

(5) - الشجي: الحزين و البلابل: جمع بلبال و هو الهم و وسواس الصدر و المراد بشجى البلابل المحزون الذي امتلاءهما صدره همًا وحزنًا.

(6) - زهر الأكم في الأمثال و الحكم - (ج 1 / ص 55) وغرر الخصائص الواضحة - (ج 1 / ص 211) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 262) وجمهرة أشعار العرب - (ج 1 / ص 53) وخزانة الأدب - (ج 3 / ص 273) وصبح الأعشى - (ج 4 / ص 91) وشرح ديوان الحماسة - (ج 1 / ص 354)

(7) - لا يليق أن تمنع سائلا أتاك وله حاجة، فإنك إن منعته في يومك الذي هو لك فقد يكون له الغد فيجازيك على الحرمان بالحرمان.

(8) - و يكون الإنشاء الطلبي أيضا بالعرض و التحضيض و الجمل الدعائية، و لكنا اقتصرنا على الأنواع الخمسة لاختصاصها بكثير من اللطائف البلاغية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت