كنت أنصرف عن العمدة إلى غيره من الكتب، ولم يكن انصرافى عنه كرها فيه، وإنما يكون بسبب ظهور بعض العقبات التى توقف المسيرة بعض الشىء، ولكنها تدفع بعد ذلك إلى الطريق الصحيح، وأستطيع أن أشبه هذه الحالة بالجنادل التى تقف في وجه ماء النيل، فإنها لا تقطع الماء ولا تمنعه، ولكنها تحوّله من مساره إلى مسار آخر أشد قوة،
ثم أعود إليه بشوق المحب الذى قضى فترة بعيدا عن محبوبه، فيقبل عليه بكلّيته، فيتحول الإنسان في مثل هذه الحالة إلى كيان يقطر بالحب والشوق.
وكنت كلما قطعت شوطا في تحقيق الكتاب تمنيت أن يوفقنى الله، وأن يطيل في عمرى حتى أنجزه، وكنت أخاف خوفا شديدا من أن أموت قبل أن يظهر الكتاب إلى الوجود بالصورة التى رسمتها، وصممت على تنفيذها، ومشكلتى مع كل كتاب هى إننى حتى الآن لا أستطيع أن أحصر نفسى في عمل واحد أبدا، فإن كل من يعرفوننى يرون أننى أعمل دائما في ثلاثة كتب في وقت واحد، فإذا ضقت من عملى في كتاب انصرفت إلى العمل في الآخر، كى تتجدد النفس وتقبل على العمل بتجدد الموضوع.
وقد صرحت بذلك في يوم الأحد 23من جمادى الآخرة 1404هـ الموافق 25 من مارس 1984م وكنت في زيارة لأستاذى العلامة محمود شاكر رحمة الله عليه، وكان عنده الأستاذ عامر العقاد رحمه الله وكان هذا أول لقاء لى به وآخر لقاء، وكنت قد ذهبت إلى أستاذى لأريه نماذج من عملى في الكتاب، وقلت له: إننى أخاف أن أموت قبل أن ينتهى الكتاب بهذه الطريقة، فإذا به يرد علىّ: بل إننى أخاف أن أموت قبل أن أرى هذا العمل كاملا بهذه الطريقة، فدعوت له بطول العمر، وفى هذا اليوم أهدانى كتاب دلائل الإعجاز وكتب عليه إهداء لى بخطه الجميل المميز:
إلى أخى الدكتور النبوى عبد الواحد شعلان هدية مودة وتقدير، ثم كتب التاريخ الذى ذكرته سابقا وهنا قال الأستاذ عامر: إن حب الأستاذ لك جعلنى أحبك، فخذ عنوانى ورقم هاتفى، وكتبه لى بخطه في ورقة ما تزال موضوعة في كتاب دلائل الإعجاز، والإهداء الذى كتبته في أول الكتاب كان وليد هذا اليوم وذلك اللقاء.
وتمر الأيام بطيئة، ويوفقنى الله في درجاتى العلمية بالجامعة، وأواصل العمل في الكتاب، ولكن العائق الذى كان يقف أمامى هو عدم وجود بعض دواوين الشعراء الذين استشهد ابن رشيق بأشعارهم، فكنت أبحث عن البيت أو الأبيات في مظانها حتى أستوفيها أو أقارب، ثم شاءت إرادة الله أن أسافر إلى الرياض في عام 1990م للعمل في كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ولما انتقلت الكلية إلى مبنى الجامعة الجديد بعد عام من سفرى وجدت أن المكتبة المركزية قريبة من الكلية، فكنت أقضى فراغ وقتى فيها، وهذه المكتبة عامرة بأنواع الكتب وأنواع المكتبات التى
باعها ورثة أصحابها، فوجدت الكثير من الدواوين التى كانت تنقصنى، واشتريت الكثير أيضا من المعارض في الرياض والقاهرة في طبعاتها الجديدة، وسوف يرى القارىء أننى أذكر الديوان بعد التخريج ضنّامنى بحذف ما قمت به من عمل أرى أنه مثمر إن شاء الله.