لكن القوم أهل اللسان العربي، فعلموا أنها تهدم عليهم دعاء الأموات والأصنام من الأساس، وتكب بناء سؤال الشفاعة من غير الله وصرف الإلهية لغيره، لأم الرأس، فقالوا: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [ سورة الزمر، الآية: 3 ] ، { هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } [ سورة يونس، الآية: 18 ] ،
{ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ سورة ص، الآية: 5 ] .
فتبا لمن كان أبو جهل ورأس الكفر من قريش وغيرهم أعلم منه بلا إله إلا الله. قال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ *وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ } [ سورة الصافات: 35 ـ 36 ] .
فعرفوا أنها تقتضي ترك عبادة ما سوى الله، وإفراد الله بالعبادة، وهكذا يقول عباد القبور إذا طلبت منهم إخلاص الدعوة والعبادة لله وحده: أنترك سادتنا وشفعاءنا في قضاء حوائجنا؟ فيقال لهم: نعم وهذا الترك والإخلاص هو الحق، كما قال تعالى: { بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ } [ سورة الصافات، الآية: 37 ] .
فلا إله إلا الله اشتملت على نفي وإثبات:
فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، فكل ما سواه من الملائكة والأنبياء فضلا عن غيرهم فليس بإله، ولا له من العبادة شيء.
وأثبتت الإلهية لله وحده، بمعنى أن العبد لا يأله غيره، أي لا يقصده بشيء من التأله، وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة: كالدعاء، والذبح، والنذر، وغير ذلك.