ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله تعالى، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقا أو كاذبا، ولو قيل له: احلف بحياة الشيخ فلان، أو بتربته ونحو ذلك، لم يحلف إن كان كاذبا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أعظم في قلبه من رب الأرباب، وما كان الأولون هكذا، بل كانوا إذا أرادوا التشديد في اليمين حلفوا بالله تعالى، كما في قصة القسامة التي وقعت في الجاهلية، وهي في صحيح البخاري [1] .
وكثير منهم أو أكثرهم يرى أن الاستغاثة بإلهه الذي يعبده عند قبره أو غيره أنفع وأنجح من الاستغاثة بالله في المسجد، ويصرحون بذلك، والحكايات عنهم بذلك فيها طول، وهذا أمر ما بلغ إليه شرك الأولين. وهؤلاء إذا أصابتهم الشدائد أخلصوا للمدفونين في التراب. وهتفوا بأسمائهم ودعوهم ليكشفوا ضر المصاب، في البر والبحر والسفر والإياب، وهذا أمر ما فعله الأولون، بل هم في هذه الحال يخلصون للكبير المتعال، فاقرأ قوله تعالى: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [ سورة العنكبوت، الآية: 65 ] .
وقوله: { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ *ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } [ سورة النحل: 53 ـ 54 ] .
(1) رواه البخاري كما في الفتح: 7/190 برقم: (3845) في مناقب الأنصار، باب القسامة في الجاهلية. عن ابن عباس، وهي قصة أول قسامة في الجاهلية في بني هاشم، لما قتل رجل منهم في عقال بعير فأنكر القاتل، فحلف من قومه ثمانية وأربعون رجلا، فما حال الحول ومنهم عين تطرف.