الصفحة 53 من 62

وقد اتفق الأئمة -رحمهم الله- أن من سلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأراد الدعاء لنفسه لا يستقبل القبر، وإنما يستقبل القبلة التي هي أفضل الجهات وأرجى لقبول الدعاء، وأما الحكاية عن مالك أنه قال للمنصور: ولم تصرف وجهك عنه؟ ... بل استقبله واستشفع به... إلخ فهي حكاية موضوعة مكذوبة عليه كما حقق ذلك العلماء رحمهم الله [1] .

سادسا: منع السفر لمجرد زيارة القبر النبوي.

ثبت في الصحاح والسنن والمسانيد عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" [2] .

ومعنى ذلك: النهي عن السفر إلى بقعة أو موضع لقصد التعبد فيه؛ لاعتقاد أن العمل فيه مضاعف أو له مزية على غيره من المواضع، فدخل في ذلك منع السفر لزيارة القبور ولو قبور الأنبياء، فإنه من اتخاذها أعيادا، والاعتقاد في المقبورين بما يكون وسيلة إلى عبادتهم مع الله تعالى، كما هو الواقع من المشركين في هذا الزمان وقبله، حيث ينشئون الأسفار الطويلة، إلى قبور الأولياء كما زعموا، أو يتجشمون المشقات وينفقون الأموال الطائلة، ومتى وصلوا إلى تلك المشاهد كما اسموها حطوا رحالهم، وأخذوا في الهتاف والنداء لأولئك الأموات، وعملوا هناك ما لا يصلح إلا لله رب العالمين، من الطواف بتلك الأضرحة والتمسح بترابها والدعاء لأربابها، والذبح والنحر لها ونحو ذلك.

فهذا ما خافه -عليه الصلاة والسلام- من منعه شد الرحال لغير المساجد الثلاثة.

(1) ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، صفحة: 395، وغيره.

(2) رواه البخاري عن أبي هريرة كما في الفتح: 3/76 -برقم: (1189) ، في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ورواه أيضا عن أبي سعيد كما في الفتح: 3/84 - برقم: (1197) ، في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب مسجد بيت المقدس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت