فهرس الكتاب
ثُمَّ حَمَلَت حَوّاءُ، فَوَلَدَت شيثًا وأُختَهُ عَزوَرا، فَسُمّيَ هبَةُ الله، اشتُقَّ لَهُ مِن اسم هابيلَ، فَقالَ لَها جِبريلُ حينَ ولَدَتهُ: هَذا هبَةُ الله لَك بَدَلَ هابيلَ، وهوَ بِالعَرَبيَّة شَثٌّ، وبِالسُّريانيَّة شاثُ، وبِالعِبرانيَّة شيثٌ، وإِلَيه أَوصَى آدَمُ صَلَواتُ الله عَلَيه.
وكانَ آدَمُ يَومَ وُلِدَ شيثٌ ابن ثَلاَثينَ ومِئَة سَنَةٍ، ثُمَّ تَغَشّاها آدَمُ، فَحَمَلَت حَملًا خَفيفًا فَمَرَّت بِه، يَقول قامَت وقَعَدَت ثُمَّ أَتاها الشَّيطانُ في غَير صورَتِه، فَقالَ لَها: يا حَوّاءُ، ما هَذا في بَطنِكِ؟ قالَت: لاَ أَدري، قالَ: فَلَعَلَّهُ يَكونُ بَهيمَةً مِن هَذِه البَهائِمِ؟ ثُمَّ قالَت: ما أَدري ! ثُمَّ أَعرَضَ عَنها، حَتى إِذا هيَ أَثقَلَت أَتاها، فَقالَ: كَيفَ تَجِدينَك يا حَوّاءُ؟ قالَت: إِنِّي لأَخافُ أَن يَكونَ كالَّذي خَوَّفتَني، ما أَستَطيعُ القيامَ إِذا قُمتُ، قالَ: أَفَرَأَيت إِن دَعَوتُ اللهَ، فَجَعَلَهُ إِنسانًا مِثلَكَ ومِثلَ آدَمَ تُسَمّيه بي؟ قالَت: نَعَم، فانصَرَفَ عَنها، وقالَت لآدَمَ: لَقَد أَتاني آتٍ، فَأَخبَرَني أَنَّ الَّذي في بَطني بَهيمَةً مِن هَذِه البَهائِمِ، وإِنِّي لأَجِدُ لَهُ ثُقلًا، وأَخشَى أَن يَكونَ كَما قالَ، فَلَم يَكُن لآدَمَ ولاَ لِحَوّاءَ هَمٌّ غَيرَهُ حَتى وضَعَتهُ، فَذَلِكَ قَولُ الله تَبارَكَ وتَعالَى: {دَعَوا اللهَ رَبَّهُما لَئِن آتَيتَنا صالِحًا لَنَكونَنَّ مِنَ الشّاكِرينَ} فَكانَ هَذا دُعاؤُهُما قَبلَ أَن تَلِدَ.
فَلَمّا ولَدَت غُلاَمًا سَويًّا، أَتاها، فَقالَ لَها: أَلاَ سَمَّيتِه كَما وعَدتِني؟ قالَت: وما اسمُكَ؟ وكانَ اسمُهُ عَزازيلُ، ولَو تَسَمَّى بِه لَعَرَفَتهُ، فَقالَ: اسمي الحارِثُ، فَسَمَّتهُ: عَبدُ الحارِثِ، فَماتَ، يَقول الله: {فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكاءَ فيما آتاهُما فَتَعالَى الله عَمّا يُشرِكونَ} .
وأَوحَى الله إِلَى آدَمَ: إِنَّ لي حَرَمًا بِحيال عَرشي، فانطَلِق فابن لي بَيتًا فيه، ثُمَّ حُفَّ بِه كَما رَأَيتَ مَلاَئِكَتي يَحُفّونَ بِعَرشي، فَهُنالِكَ أَستَجيبُ لَكَ ولِوَلَدِكَ مَن كانَ مِنهُم في طاعَتي، فَقالَ آدَمُ: أَي رَبِّ، وكَيفَ لي بِذَلِكَ؟ لَستُ أَقوَى عَلَيه ولاَ أَهتَدي لَهُ، فَقَيَّضَ الله لَهُ مَلَكًا، فانطَلَقَ بِه نَحوَ مَكَّةَ، فَكانَ آدَمُ إِذا مَرَّ بِرَوضَةٍ ومَكانٍ يُعجِبُهُ قالَ لِلمَلَكِ: انزِل بِنا هَهُنا، فَيَقول لَهُ المَلَكُ: مَكانَكَ، حَتى قَدِمَ مَكَّةَ، فَكانَ كُلُّ مَكانٍ نَزَلَ بِه عُمرانًا، وكُلُّ مَكانٍ تَعَدّاهُ مَفاوِزَ وقِفارًا.