الجندل وينشقه أحرف من الخردل ويفرغ عليه أحر من المرجل ثم يقول إنما كنت أمازحك. وقال بعض الحكماء: خير المزاح لا ينال وشره لا يقال فنظمه النيسابوري في قصيدته الجامعة للآداب فقال وزاد:
شر مزاح المرء لا يقال ... وخيره يا صاح لا ينال
وقد يقال كثرة المزاح ... من الفتى تدعو إلى التلاحي
إن المزاح بدؤه حلاوه ... لكنما آخره عداوه
يحتدّ منه الرجل الشريف ... ويجتري بسخفه السخيف
وقال أبو نواس
خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
إنما السالم من ألج ... م فاه بلجام
ربما استفتح بالمز ... ح مغاليق الحمام
والمنايا آكلات ... شاربات للأنام
واعلم أنه قلما يعرى من المزاح من كان سهلا فالعاقل يتوخى بمزاحه إحدى حالتين لا ثالثة لهما: إحداهما إيناس المصاحبين والتودّد إلى المخالطين وهذا يكون بما أنس من جميل القول وبسط من مستحسن الفعل. وقد قال سعيد بن العاص لابنه: اقتصد في مزاحك فإن الإفراط فيه يذهب البهاء ويجرىء عليك السفهاء وان التقصير فيه يفض عنك المؤانسين ويوحش منك المصاحبين. والحالة الثانية أن ينفي بالمزاح ما طرأ عليه من سأم وأحدث به من هم فقد قيل: لابد للمصدور أن ينفث. وأنشدت لأبي الفتح البستى:
أفد طبعك المكدود بالجدّ راحة ... يجم وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يمزح على هذا الوجه روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «إني