الصفحة 1012 من 9223

352/2 حاذق يستل الشعرة بلطف، وقد كانت حوله مواقف معتكرة الجو فاستطاع أن يضئ فيها، وقد كان مع القضاة في ( تامانار ) في معاركة، لأنه فرضي فقيه، وهم دونه في ذلك، فيخافون منه، فيدسون حوله ما يدسون، فيناهضهم بساعد قوي، ولسان ذلق، وحجج دامغة، حتى المراقبة لم يخل ما بينه وبينها من مثل ذلك، ولكن الفرنسيين يعرفون كيف يحتالون لأمثاله حتى يظهروهم للناس أنهم ممن انحازوا إليهم، وهذا ما وقع له، حتى أساء فيه القائد رب نعمته ظنه، فكاد ينقطع ما بينهما بدسائس هؤلاء المراقبين وقد شكاه لي القائد مرارا، فأوصيه أن لا يزور جانبه عن رب نعمته، وهكذا قضى ما شاء الله، وكان كريما لا يكاد يفضل شيئا مما يدخل يده، وأنا أرى أن بركة شيخنا سيدي سعيد هي التي انسدلت عليه، وإلا فإنه يومئذ يوشك أن ينهار به البنيان، وقد أخذ من الحاحيين دروسا أي دروس، فها هو ذا الآن بعد ما أمضى ما أمضى من الخدم، وبعد ما مر بيده ما مر من الأموال، لم يؤثل شيئا مذكورا، إلا دارا في ( تامانار ) وإلا أرضا قليلة للحرث هناك، وهو على كل حال فقير إن لم يغثه ربه بما يزجي به الأيام وذلك دليل على نزاهته من الرشا، وعلى أنه كريم.

لقد علم الأقوام لو أن حاتما *** أراد ثراء المال كان له وفر

ومن أحواله أنه يحسن الظن في أهل الله، ويرحم المساكين، ويلبس دائما لباس المتواضعين، ولولا لسانه الذلق المشحوذ لكان خير رجل أخرجته إلغ للناس، وحديثه ممتع فقد كان راوية للأخبار، خصوصا ما مر به من الحوادث من عهد أن عقل إلى الآن، ولو جمع ذلك لكان سجلا مفعما مما يعجب المؤرخين.

ومن أحواله أنه محافظ على صلواته وعلى مراجعة الحديث، فلم يفلت قط إلى الآن المرور بالبخاري في كل رمضان حتى في أيام قضائه المملوء بالأشغال الرسمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت