فهرس الكتاب
69/6 فكل من كان أديبًا من أصحابنا حين كنا نقرأ في (تارودانت) كانوا لطافا يتفقون ولا يختلفون، ويأتلفون ولا يتشاكسون، فقد كنا جماعة امتزجنا بها في مجلس شيخنا الهوزيوي، وكان يباسطنا ويقول: لولاكم لما راجعت درسًا قبل إقرائه، ولكن ماذا أصنع بعلم الأدب الذي جرأكم وعلمكم أن لا تقفوا في أفهامكم عند حدٍّ معلوم، وكان شيخنا في مجالس المذاكرة والنزه لا يقرب منه سوانا، فينشدنا ويستنشدنا، ويباحثنا في المعاني، والباقي من الطلبة سوانا جالسون ساكتون كأنهم غير حاضرين، وقد أنشدنا يومًا قول قطري بن الفجاءة:
*أقول لها وقد طارت شعاعًا ** من الأبطال ويحك لن تراعي (1)
*فصبرًا في مجال الموت صبرًا ** فما نيل الخلود بمستطاع
*ولا ثوب البقاء بثوب عز ** فيطوى عن أخي الخنع اليراع (2)
فتبادرنا إلى كتابتها، فأعوز أحدنا قرطاس، وفي يد بعض الطلبة الذين لا يعتنون بالأدب قرطاس، فقال له شيخنا: أسلف لفلان اليوم هذا القرطاس ليرده عليك في درس الفقه، ويقصد أن يباسطنا بقوله أننا لا نعتني بالفقه اعتناءنا بالأدب، تحريضًا لنا على الجمع بين الكل، وكان شيخنا يأمرنا بالإنشاء للشعر، ويقول: إن ذلك لطيف من الفقيه، وقد عرضت عليه يومًا قطعة شعرية صغتها، وهي في وصف نزهة تنزهتها مع أصحابي يوم خميس نصها:
*لله مجلسنا بيوم خميس ** في مجلس جمع السرور نفيس
*ما فيه إلا فكرة وقادة ** بتارة كالسيف يوم خميس
*من فتية نظم الحبور شتاتهم ** نظم القطار لراسمات العيس (3)
*بوابهم سعد السعود يصونهم ** من أن يطوف عليهم من بوس (4)
*أبناء علات ولكن ضمهم ** علم له أثر الطلا بنفوس (5)
(1) شعاعًا بالفتح: متفرقة.
(2) الخنع محركا: الذل. واليراع: الخائف الرعديد.
(3) العيس: النياق، والرسيم نوع من المشي المسرع.
(4) زيدت من في الإثبات، وله شواهد.
(5) أبناء العلات: الذين أمهاتهم متعددة وأبوهم واحد.