فهرس الكتاب
129/6*لقد باء فرسان البلاغة كلهم ** بعجز وباتت في الكمال مفرعة (1)
*هنيئًا لنا منه شفاء ورحمة ** متى ما شكونا من صدى الجهل مبضعة (2)
*فدام لنا حبلًا متينًا فلم نخف ** ونحن به متمسكون تقطعه
*إذا ما خلا الأعداء باءوا بفضله ** وقالوا كلام الحق ما كان أبدعه
*ومن حسد قالوا كلامك مفترى ** وسحر وما إن كان أهلًا تسمعه
*وهل كان في الدنيا حليف ترفع ** خلا من حسود جاهل مترفعه
*جرت عادة المولى بذاك وهل جنى الـ ** ـحسود خلاف الغيظ فيما تنطعه
*وإذ في فراق الكفر جاء نبينا ** من الله إذن لم يزل متوقعه
*أتى لأبي بكر وكان صفيه ** فبشره أن التنقل أجمعه
*نحا معه خير الورى نحو (يثرب) ** وخلف للأحزان (مكة) مفجعة
*وسار العدا يبغون ما فات خلفه ** وما كان خلق لو يرون ليتبعه
*توارى بـ (غار) حين لم يلق دونه ** حجاب سوى اللطف الجميل تدرعه
*حمته بما حامت عليه حمامة ** ولم يحسبوها للعلا متشيعة
*وحاكت برودًا من لطائف نسجها ** على الغار كف العنكبوت لتمنعه
*فآبوا وقد خابوا لفرط عداوة ** بأفئدة مقروحة متسلعة (3)
*وقاية ربي والعناية من تكن ** له لم تروعه الأسود المجوعة
*ومن عجب أن الغزالة ما اختفت ** وكانت بأفلاك علت متقنعة
*فلما تدلت للبسيطة أنكرت ** أشعتها منهم وليست مبرقعة
*فكم قلبت عينٌ له متحديًّا ** وكم خرق العادات ما كان أبدعه
*فسل زوجة ابن الجون ما شهدت وسل ** سراقة ما أبدى له حين تبعه
*وسحت له العجفاء درًّا بلمسه ** وساخت به الجرداء ثمت أنشعه (4)
*تشكت إليه في وثاق غزالة ** حشا لنوى خِشْف له متوجعة (5)
*فأطلقها لطفًا وقد وعدته أن ** تعود فسارت بالسرور لترضعه
(1) باء بالعجز: أقر به. ومفرعة: فرعها الغير أي صعدها؛ وهو هنا الله تعالى.
(2) المبضعة: الشافية.
(3) التسلع: التشقق.
(4) سحت: سالت. والدر بالفتح: اللبن. وساخ في الأرض: غاص فيها. وأنشعه: أغاثه.
(5) الخشف بكسر فسكون: ولد الغزال.