فهرس الكتاب
279/6 السبيل، فلا تخلو من صادر ووارد أبدًا، واشتملت على الفقراء المنقطعين لطلب العلم، مثل أهل الصُُّفَّة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا نقلت إليهم من مسافة فأكثر تنقل بواسطتهم على الوجه المشروع، وتحل لهم من جهتين جهة كونهم فقراء، وجهة كونهم أبناء السبيل، فالفقير يأخذها اتفاقًا، وفي الغني قولان، وذكر الباجي رواية عن مالك أنه يجوز نقل الزكاة اختيارًا وإن لم يضطر من نقلت إليه، فلا ينبغي لذي دين عارف بالقواعد الشرعية، وما عليه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده أن يتمارى في جواز صرفها فيها، بل لو رفعت لمحلها لجاز للغني الأكل منها، بعد بلوغها محلها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل مما يهدى إليه من الصدقات التي يرسل بها إلى الفقراء، ويقول: إنها بلغت محلها، كما قال في قضية بريرة: هي لها صدقة، ولنا هدية. وإنما الخلاف عندهم في العطاء، هل تعطى لهم وإن كانوا أغنياء أولًا، فمن أجازها لهم فبالقياس على المجاهدين بالأولى، لأن جهادهم لإحياء العلوم، لا سيما علم التوحيد، وهو أولى من جهاد الكفار بالسيف، ويحتمل أن يكون الدليل نصًّا، قال الإمام الشعراني في (كشف الغمة) الذي ألفه لجمع أدلة أقاويل الأئمة: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستعمل إبل الصدقة، وربما حمل الناس عليها إلى الحج وغيره من القربات، فإذا قيل له في ذلك يقول: إن صاحب الجمل جعله في سبيل الله، وإن الحج والعمرة في سبيل الله. وقد تكلم في (أجوبة المتأخرين) على جواز النقل بأبسط من هذا، ومنشؤ الخلاف ما ذكر في البخاري من حديث معاذ حيث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، حين قال: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة من أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. فقيل: الضمير في فقرائهم يعود على أهل اليمن، فيمنع نقل الزكاة من بلد المال، وقيل: يعود على فقراء المسلمين، وعليه مالك، فيجوز نقلها، وأفتى به