الصفحة 2941 من 9223

أدرك الشيخ تلك المكانة العليا المتقدمة، فنال بها من الشفوف مقامًا عاليًا لا يسامى، وهو مع ذلك مكب على التدريس، لا يفتر عنه في كل حياته، وإنه وإن اشتغل بنشر العلم مشتغل أيضًا بالقيام على ساق الجد في وعظ الناس، وإرشاد الحيارى منهم إلى الجادة، وقد أولع دائمًا بنيل الشفوف من كل ناحية، فقد كان مظهره مظهرًا ملوكيًا، في ملبسه ومفرشه ومأكله، وكل ما يزاوله في أموره، وقد تحضر في شئونه كلها بعدما اقترن بالسيدة من (السويرة) كست بذوق الحضريات كل شئون الدار (التيمكيدشتية) كما تزوج الحاج إبراهيم السويري خديجة أخته فتنوعت الأطعمة، واستجدت الآنية، وانتخب من الفرش ما راق وبهر العيون، حتى مركب الشيخ وسفره، فإنه على هذا النمط، فإنه تستفره له البغال، وينشر أصحابه حالة سيره في سفره رجلًا حواليه، فيركضون أمامه وخلفه وعن جنبيه، وهكذا ذكر من رآه يومًا في (رأس الوادي) إزاء معسكر القائد مسعود المتوفى سنة 1293 هـ، قال: رأيته قد أطلق البغلة، وطلبته يركضون حواليه منتشرين، والعثير قد سد الأفق، وهو في جماعات وافرة، ولكنه مع هذا الحال من أكابر الصوفية الذين لا يقاس باطنهم على ظاهرهم، كما بين ذلك غاية البيان تلميذه الصدوق سيدي محمد بن العربي الأدوزي في رحلته (المراكشية) فقد أفاض فيها إفاضة مسهبة في أخلاقه وأوصافه، وأسهب في جميع أحواله، ولم نر نحن التطويل باقتباس شواهد منها، لأن غالب (الرحلة) مبني على ذلك، والرحلة موجودة، ومن تلبس بنعم الله وأدى قدر مستطاعه شكرها، فما عليه من جناح {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} إلى آخر الآية، هذا حاله في المظاهر ولكنه من ناحية أخرى مواظب على ديانته، فلم تَفُتْه صلاة الجماعة أربعين سنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت