الصفحة 3891 من 9223

ذلك كل ما عندي الآن عنه. وهو بلا ريب من العلماء الكبار الذين يتأهلون للقضاء ويرى أمثال المولى عبد الرحمن أنه يجب إجباره عليه. ثم هو مع ذلك من أهل الورع والزهد في الرياسة ونفض اليد مما يحلم به كثيرون. ولا أدل على ذلك من هذه الحكاية التي يحكيها أهله. ومفارقة وطن الإنسان خصوصًا إذا كان مثل فاس حاضرة المغرب. ومغادرة الحاضرة 138/9

139/9 إلى التجول على أكوار اليعملات في الصحاري. والهجير يلفح الوجوه، والعطش يأخذ بالأكظام. ثم الرضا بعد ذلك بالسكنى في البادية. والقناعة بما يعتاد أهل البادية أن يقتاتوا به. ثم الصبر على ذلك سنين حتى يلفظ النفس، أمر عظيم شديد الوقع على النفوس. لا يندفع إليه إلا أحد الرجلين، إما واتر يخاف على نفسه فيخرج على هاربًا لا ينشد إلا الأمن وحده. وحيثما وجده، وإن في قرية نائية في واحة في حضن الصحراء مثل ( أقا ) يلقي رحله. ويبقى بقية عمره لا يقترح على الدهر إلا أن ينسى أبد الآبدين، وإما رجل من رجال الآخرة يراقب الله سرًا وجهرًا، فيقدم مواقع رضا ربه على وطنه وعلى أهله وعلى ماله وعلى كل شيء كان يألفه، فيندلق من كل ذلك كالسهم في الرمية. ثم لا يطيب له إلا مكان يناجي فيه مولاه، ومنتأى حيث يعبد ربه، ويسلك المحجة البيضاء التي يراها بين عينيه مسلك النجاة الوحيد. لا يزيغ عنها إلا هالك. فتكون قرية نائية عن مسقط رأسه كأقا من فاس، يلائمه ما دام يجد فيه من المسلمين من يعينونه على ما هو بصدده، فإذا كان سيدي محمد الصديق على ما يذكره به أهله، فإنه حقيقة من علماء المغرب الأفذاذ. يجب أن يقرن مع سيدي أحمد بن يوسف الفاسي المحدث الذي هرب أيضًا إلى البادية من فاس، خوف أن يفتن في دينه إن أفتى تلك الفتوى المشهورة في التاريخ. وكأحمد بن سليمان الرسموكي الذي فرَّ أيضًا من مراكش إلى البادية في قضية الحراطين في العهد الإسماعيلي. ثم إننا نظنه توفي بعد 1260 هـ. وهو بلا ريب يتخرج من القرويين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت