فهرس الكتاب
109/2 أخبار الوالد من الأفواه، كان يقول لي عليك بفلان، ولا تثق بفلان، وأن فلانا صادق غير أنه ذو غلو غير محدود، فكنت أقول له إنك إزاء هؤلاء الفقراء، لتمثل دور يحيى بن معين إزاء الرواة للحديث، حتى صرت أناديه باسم يحيى بن معين، فسألني عنه من هو، فشرحت له ما أعرفه عنه، وهكذا كانت تمضي ساعاتنا غالبا، وأنا أنتفع بنظراته التي تستشف ما وراء الطوايا استشفافا غريبا، وذلك من كثرة ما اكتسبه من التجارب في مخالطة مختلف الطبقات في تلك الجهة، على أن له أحيانا في ذلك الإنتقاد مجاوزة للحد، ولذلك لا أعتمد كل الإعتماد على انتقاده رجلا حتى أجربه بنفسي، إن توقفت على ذلك، وأما أحاديثه هو، فإذا كان يحكي عن شيء فإنه يتحين الصواب، ويتحرى الحق، ويكثر قوله لا أدري، وأظن، وأشك والغالب على ظني، إلى مثل هذه الكلمات، مما يجعل المستمع مرغما يعترف له بالتثبت ويلقي على الإنسان أحيانًا في وجهه حقيقة يعرفها، ولوكانت مرة، على أنه إن خرج لسانه عن التحدث المنضبط، وجرى مع صاحبه سيدي الطاهر بن علي في التكلم حول الناس، فلاتسل عن حملات وتجريحات وإقبال وإدبار، وأتذكر أنني عاتبته مرة على هذه الخلة، فقال اطلب الله لي أن بياعدها عني، فقد قال لي مرة رجل صالح: إنني وزنت كل أعمالك فوجدتها بخير إلا ما كان من لسانك فإنه كالسنان في الطعن.
صراحته وصدقه وكيف يصف الناس
*** قد نفعني الله بأحاديثه المنضبطة التي كان لا يتكلم معي إلا بها، لأنه يعرف إن ورائي قلما يتلقف كل ما سمعه مسمعي، فعرفت بواسطتها عن كثير من أسر إلغ ورجالاتها ما كنت أجهله، وقد كان ينصف غاية الإنصاف أصحاب الفضائل فيشيد بفضيلة كل وبمزيته التي اختص بها، وقد أثنى على أناس في ( إلغ ) ثناء عطرا، وأضفى عليهم مناقب خالدة، مع أنني أعرف أن بعض هؤلاء لوسئلوا عنه، لما أقروا له بمزية، ولما أشادوا له بمنقبة ( وكل إناء بما فيه ينضح )