فهرس الكتاب
هذه وثبة أخرى واسعة، فبعد أن وثب الشاعر بكلمة واحدة في رسم صور (أنطاكية) وثب هنا ببيت واحد في رسم البناية الضخمة بكاملها، فالبيت يساوي قصيدة ضافية، وصوره لا يحيط بها الخيال، وهذا هو سر 173/17
174/17الفن لدى البحتري يتناول الأجزاء بالرسم والتلوين واحدًا فواحدًا، ثم يجمعها في صورة أخرى ذات خطوط كبري، كما فعل هنا في رسم (الإيوان) ، أو يعكس كما فعل في رسم الصورة المعلقة فيه، فما أشبه الوليد برسام ماهر يعلم الرسم فيستقري ويستنتج، بيد أن الترتيب عند البحتري فني، لا تعلمي.
كان الوليد يقف في الوصف على حدود الحس، ولكنه في هذا الوصف لم يقف عليها بل حأول أن يتعداها:
فكأني أري المراتب والقو *** م إذا ما بلغت آخر حسي
فهو نفسه شعر بأنه تخطى حدوده، فأرسل تأملاته تسبح في عالم خيالي بعيد، فيشهد الأكاسرة على العروش، وقد عقدت التيجان على رؤوسهم، وحولهم علية القوم حسب مراتبهم، وفي المقاصير أمامهم قيان مرضعات لأعوادهن، منحيات على أوتارهن، ثم يقف في وفود تزدحم على أبواب القصر، معتبرًا ومذكرًا.
ذلك هو البحتري الذي صهرته الأحداث فتجدد، ووخزه الدهر فاشتكى، وطعن في السن فتأمل، وحنكته التجارب فاعتبر، ورزئ في أوليائه فتذكر (1) .
ومن خطه أيضًا ما ياتي:
من ديوان محمد العثماني
(1) أعجب أديب بهذه الخاتمة غاية الإعجاب، فقال: أجملت في هذه الفقر البليغة كل ما فصلته في الموضوع وزيادة أنه لم يعد الحقيقة في حكمه وقد أدركت ذلك قبله. (تنبيه) كل هذه الحواشي من قلم المترجم.