فهرس الكتاب
( ثم إن الفقيه العالم العلامة، قطب زمانه، الولي الصالح البركة، السعيد الرابح أبا العباس الشيخ سيدي أحمد كان رحمه الله عالما محققا مشاركا متضلعا، خرج على يده جم غفير من العلماء العاملين، كل واحد منهم إمام يقتدى به، وكان ورعا ناسكا، عابدا وليًا من أولياء الله ذا كشف رباني، وعلم لدني، واسع الباع في الفقه والنحو والصرف والبيان والمعاني والعروض والأصول والتنجيم والتعديل والتوقيت والأسماء والأوفاق وسر الحرف، أخذ الكل عن شيخه القطب سيدي الحسن بن أحمد التيمكيدشتي وكان ذا تأن في الأمور وبصيرة، ورأي مصيب، له صفة ما جدها قط واصف وقد أظهر الله عليه بركة شيخه المذكور، وصاحب سره المشهور، فانتفع الناس به غاية الانتفاع، وكان مسكنا لكل فتنة ظهرت، ومطفئا لكل نار اتقدت، فحيثما ظهرت فتنة بين الناس اجتهد في إطفاء نارها بالنفس والمال والهمة، حتى تنطفئ ويصلح ذات بين أهلها، وكان ذا جد واجتهاد، وعزم وحزم، جمع الله له بين المشيختين العلمية والتربية، وكان يربي بالحال، كعادة الكمال، ويذهب في الظاهر والباطن بالهمة والنظرة، ولقد حكى لي بعض الطلبة عن نفسه أنه كان قبل أن يجتمع به يرتكب أمورا ضارة بالدين، فلما التقى معه، قال نظر إليَّ نظرة واحدة مزعجة، فعرضت عليَّ في تلك الحالة جميع الأمور التي كنت أفعل، فصرت كأني أنظر إليها وخطر ببالي حقائقها، فخجلت غاية الخجل، فلما غض الشيخ بصره قائلا: ما شاء الله، انمحى واضمحل جميع ذلك في قلبي، واندرست رسومه إلى الآن، قلت فانظر يا أخي، هذه نظرة واحدة غسلت ما غسلت، وفعلت ما فعلت، فكيف بمن له الأخذ عنه والمصاحبة، اللهم طهر قلوبنا ببركة أشياخنا ولا تحرمنا، فأنت ثقتنا ورجاؤنا يا ألله، وكانت له أسرار وبركات ومقالات عجيبة في الفقه والحكمة، وعلم الفلك، نظما ونثرًا، ورسائل وأجوبة، وقد وقفت له على ديوان من الشعر، لكن لو تتبعت ذلك لخرجت عن المقصود، ولو تصدى أحد لجمع ذلك لكان