الصفحة 8314 من 9223

كان شيخنا، رضي الله عنه، وعنا به آمين، إمامًا جليلا، دينًا، فاضلا، جامعًا بين علمي الظاهر والباطن، له باع طويل فيهما. أما علم الظاهر فكان متقنًا لجميع الفنون، وأما علم الباطن، فإنه فيه بحر لا ساحل له. وكان، رضي الله عنه، وعنا به آمين، على قدم الزهد حتى لقي الله، زاهدًا في الدنيا، قانعًا باليسير منها، حسن الأخلاق التي عليها مدار طريق الصوفية، رضي الله عنهم. وأما سيرته وأحواله وأقواله وأفعاله، رضي الله عنه وعنا به آمين، فقد حاز من جميل الأخلاق، وجليل الأذواق، ودقائق المعارف، ورقائق العوارف، ما عز نظيره في غيره، وقل مثيله في أبناء عصره، متحققًا بالحقيقة في جميع الأحوال، متوسمًا بالشريعة في الأقوال والأفعال، بحيث لو عرضت جميع أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة المحمدية لوجدت لكل جليلة ودقيقة من شمائله شواهد مرضية، قد علاه، رضي الله عنه، نور الجمال وهيبة الجلال، تلحظه الأعين بالتعظيم والإجلال، من رآه بديهة هابه، إرثًا محمديًا، رضي الله عنه وعنا به، آمين، دائم العكوف على حضرة الحق، لا معول له إلا عليه، ولا استناد منه إلا إليه، لا يزيد فيه إقبال الخلق وتعظيمهم، ولا ينقص منه إدبارهم وتقصيرهم، لشدة فنائه في حضرة الله، لا يتكلم في غير حاجة، وإذا تكلم تكلم بكلام بين، يأخذ، رضي الله عنه، بمجامع قلوب الأحباب، وتنقاد له الألباب، ويتكلم مع الفقراء على قدر أحوالهم ومقاماتهم، ولا يحب التخليط في المقام المؤدي إلى المراء والجدال في الكلام. وينهى، رضي الله عنه وعنا به آمين، عن التكلف في جميع الأشياء، كالتكلف في الملبوس والطعام وغير ذلك. ويقول، رضي الله عنه: قال، صلى الله عليه وسلم: (أنا وأتقياء أمتي برآء من التكليف) ، والتصوف ترك التكلف، وغير خفي أن حال المعرفة ليس كحال الورع، ولكل في لبسه وهيئته نية صالحة، وقصد صحيح. كثير الصمت، رضي الله عنه وعنا به آمين، دائم الفكر، كثير الجولان والاعتبار،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت