فهرس الكتاب
فقيه صالح عابد معتقد زاهد، أوصاف تحققت كلها فيه عن جدارة، وأصل أهله من (أيت أمر) ، وقد لازم العلامة سيدي إبراهيم الإيسقالي إلى أن تخرج به، فلما توفي هذا سنة 1295 هـ تزوج بنته، وعمر مدرسته في (إيسقال) حيث ربض طوال عمره، وقد كان أخذ من (مراكش) عن العلامة محمد أكنسوس الطريقة الأحمدية، فكانت مشربه الخاص، وتحت لوائها يسير، وإلى قبلتها يدعو الناس، وقد كان أحرص الناس على نفع الناس بأسرارها التي ذاقها أحسن مذاق، وقد تقدم في ترجمة شيخنا سيدي سعيد التناني في (الجزء الخامس عشر) ما وقع له معه في هذا الميدان، وقد طال عمره حتى سالت إليه البطاح تبركًا به، فيدخل إليه الزائرون ويأمر لهم بلت السويق، وما كان يبالي بما يأتون به إليه، وقد طارت سمعته إلى قواد (حاحة) كلهم، وإلى رؤساء (متوكة) وإلى حماه أرسل القائد محمد أنفلوس ذخائره ومتاعه يوم جلا عن داره أثر مصادمته مع المحتلين، ثم لما وقف له القائد عبد الملك حتى أصلح ما بينه وبينهم وسكن (مراكش) استرجع ما استودعه هناك، ومما يتعلق بعلو همة المترجم أنه لم يقنع بما حصل له في حياته المملوءة بالعبادة وبالانقطاع إلى الله، فاشرأبت نفسه إلى أن يذوق ما ذاقه العارفون الكبار، مثل: التباع والجيلاني والجزولي، فقد حدث سيدي الحسين التامكونسي أنه دخل عليه فوجده ملتفًا بردائه، وقد غطى به وجهه، وله نشيج البكاء فسلم عليه، ثم قال له: ما بالك يا سيدي؟ فقال: ذهبت أعمارنا ضياعًا حين لم نلتق مع شيخ حي يزج بنا فيما زج فيه العارفون الكبار، قال: فقلت لنا: هذا هو الشيخ الحي ينادي جهرة بذلك، وقد عرفته وهو (فلان) ، فقال له: سبق لنا أن ربطنا أنفسنا ربطًا لا تملص منه إلى الأبد، يعني: الطريقة الأحمدية، فعد الحاكي ذلك من إنصافه، رضي الله عنه، وقد كان الكشف يؤثر عنه كثيرًا بين زائريه. قال القاضي سيدي رشيد ابن المصلوت، زرته يومًا فوجدته في بويت في المدرسة، وهو شيخ هِمٌّ نحيل، فأمر