فهرس الكتاب
فقال له مولاه مبارك (أبو كاض) : أتعطي كل هذا في الأعشار؟ فقال له القائد: لا بد من ذلك، هذا مع أنه يستخدم الناس في أوائل أمره رغمًا على أنفهم في أشغاله، ويتأفف من ذلك أحيانًا. ويقول، كما حكي عنه مرارًا: هل نحن وحدنا أصحاب البطون، وما أعظمها دناءة، أنحمل الناس على ترك أشغالهم لأشغالنا وحدها؟ ولكن لم يقطع ذلك حتى أعلنت الحكومة لأمثاله أن ينكفوا عن الناس، فأقبل إذ ذاك على أداء الإجارة إلى آخر فلس لكل من يخدم عنده، وهو وقاف عند أوامر الحكومة، حتى إنه استدعى رؤساء إيالته إذ ذاك، فقال لهم: إن هلال رمضان قد أهل، ولا يجوز لأي إنسان أن يفطر بأدنى حبة، هكذا بهذه الصيغة، ثم قال لجميع المكلفين إذ ذاك: اذهبوا لحال سبيلكم، ولا تتكلفوا أن تأتوا إليَّ لأجل قدوم من سفر أو لتهنئة بعيد أو لغيرهما، فلنا شغلنا الخاص ولكم أشغالكم الخاصة، فعلى هذا تمشي كثيرًا من السنين، مع أن جيرانه من القواد لم ينقطعوا عن الامتصاص من الأموال بكل وسيلة، ثم إنه أسدى ما أسدى لـ (تيييوت) يوم تناقص ماء عينها، فقد استورد مضخات عدة ترفع المياه فامتلأت الجداول، فكون لجنة تراقب أن تسقي كل الأراضي من الأعالي إلى الأسافل أرضًا أرضًا، ثم يؤخذ من الجميع ما يقوم بمئونة ذلك العمل، فأحيا الله به (تيييوت) بعد أن صارت قفرًا، تيبس أشجارها، وقد بقيت هذه المضخات إلى زمن الاستقلال، فأزيلت فعاد الجفاف إلى الأرض، لولا أن أغاث الله بكثرة المياه أخيرًا، فرجعت المياه إلى العيون، حتى لا يحتاج إلى أية آلة رافعة، وكذلك كان يعتني بالبخاري في كل رمضان، على عادة كل القواد السوسيين إذ ذاك؛ يستقدمون العلماء لذلك، ويتنافسون في ذلك، حتى إن المترجم ختم البخاري 35 مرة كما قال بفيه، وكانت حضرته محطة العلماء، ومثابة الزائرين منهم، فتعرف بكل الذين كانوا يزورون سيدي الحاج أحمد الجيشتيمي منذ سكن في (تيييوت) 1318 هـ فلا يكاد يسمع بأي عالم يرد عليه إلا