الصفحة 972 من 9223

وقف الناس يرقبون مطلع العام الجديد، وقد تخلصوا من عامهم المنصرم أو كادوا واضعين أيديهم على قلوبهم في لهفة وفي فضول، ينتظرون ما يخبؤه لهم المستقبل من آمال وآلام، وولوا ظهورها لعامهم الذي عاشوه، فأوصدوا دونه رتاج الماضي العاتي في جلبة وفي قوة وفي ضيقة وكأنهم بهذا قد أزاحوا عن كواهلهم أعباء السنين، فأسرعوا خفافا يستقبلون بالأحضان العام الجديد متفائلين مستبشرين.

ولو درى هؤلاء لعلموا أن الزمان لم يوقف سيره قط ولن يخلع عباءته أبدا وأن قاربه لم يلق مرساته على شاطئ الحياة منذ أن كانت الحياة، وأن هذا القارب منطلق لا يلوي على أحد، وهو يرتطم بالصخور والنتوء حينا، وتتقاذفه الأمواج أحيانا، وتتلاعب به العواطف والأنواء تارات أخرى، وهو رغم كل هذا مندفع كالسيل يصدم ويقوض ويؤدي.

هي قصة الزمان التي لا تنقضي، وحكايته التي لا تنتهي !!

الزمان هو الزمان ! هو اللغز الذي سما عن الإدراك، وغمض عن العقول وما المقاييس بالساعات والأيام والشهور والأعوام والقرون إلا من اختراع الإنسان ليحتمي بها من الحقيقة المؤلمة، إنها من وحي خوفه على نفسه من طول الوحشة ومن الضلال، أراد بها الإنسان الاحتماء والاستجمام من طول زحفه، ليستأنف المسير بعد ذلك، إلى الغاية الرهيبة التي يركض إليها ركضا مسوقا بهذه القوة الخارقة التي نسميها الزمان.

تشبث الإنسان بالمقاييس فقسط الزمان والزمان بعيد عن التقسيط فخدع بذلك نفسه، ووجد في ذلك الخداع راحة نسبية تنسيه هول المصير، نظر إلى الزمان نظرته إلى كتاب نقلب صفحاته بإرادتنا واحدة بعد الأخرى، والكتاب تكونه ذرات، وربما هبت ريح داهمة فعبثت بهذه الصفحات فطارت هباء منثرا، أما الزمان فهو كل أبدي لا تبديل فيه ولا اختلال، يدفع بقوم إلى الحياة، ويلقى بآخرين إلى الأبدية، لا تصل إليه أهات الشاكين، ولا استغاثات الراحلين، ولا أنات المعذبين، نظام عجيب وسير لا تعثر فيه منذ الأزل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت