فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 80515 من 82138

في ظهيرةِ يومِ الاثنينِ العشرينَ منْ شهرِ رجبٍ الأصمِّ عامَ 1430 سادَ صمتٌ حزينٌ حينَ تناقلتْ الوسائلُ خبرَ وفاةِ العالمِ الرَّباني الشيخِ عبدِ الله بنِ عبدِ الرحمن بنِ جبرينَ عنْ عمرٍ يناهزُ الثامنةَ والسبعينَ عامًا صرمها في العلمِ والتعليمِ والدَّعوةِ والإصلاحِ وخدمةِ النَّاسِ والدِّفاعِ عنْ الإسلامِ بالقلمِ واللسانِ حتى أغاظَ قومًا وملأَ قلوبهَم حنقًا ونفوسَهم ألما.

وإذا أردنا أنْ نستجليَ الملمحَ الأبرزَ في حياةِ الشيخِ ابنِ جبرينَ-رحمه الله- لرأيناه ماثلًا في"العلم والتعليم"كمشروعِ عمرٍ صرفَ لهُ حياتَه كلَّها منذُ أنْ ثنى ركبتيه في القويعيةِ والرَّينِ عندَ أبيهِ وشيخهِ الثاني أبي حبيبٍ الشثري والشيخِ الأعجوبةِ صالحِ بنِ مطلق وانتهاءً بمسيرتهِ العلميةِ الحافلةِ في الرِّياضِ على كبارِ علمائِها كمحمَّد بنِ إبراهيم وابنِ حميدٍ وابنِ باز-رحمة الله على الجميع-. ولمْ يكتفِ بذلكَ بلْ سلكَ طريقَ الدِّراسةِ النِّظاميةِ حتى نالَ أعلى الشهاداتِ وكانَ مناقشوه يعدُّونَ جلسةَ الحوارِ الأكاديمي معهُ فرصةً لمزيدٍ منْ المذاكرةِ والاستفادةِ؛ وهذا منْ معرفتِهم بباعِ الشيخِ في العلمِ والفهم، وتتلمذَ في دراستهِ النِّظاميةِ على عددٍ كبيرٍ من الأشياخِ منْ مصرَ وغيرها. وكانَ منْ ثمرةِ هذا الجهدِ المباركِ أنْ شرحَ الشيخُ عددًا كبيرًا منْ الكتبِ وتجاوزتْ دروسُه الأسبوعيةِ ما أعتاده طلابُ العلم، وشرح الشيخُ أكثرَ منْ أربعينَ كتابًا في الأسبوعِ خلالَ بعضِ الدَّوراتِ والمناسبات، كما ألَّفَ سبعةَ كتبٍ منْ أجلِّها كتابُ خبرِ الآحادِ وَ تحقيقُ شرحِ الزركشي.

ومنْ حرصِ الشيخِ على العلمِ جلوسهُ وحيدًا بينَ يدي بعضِ مشايخه؛ وتدريسُه طلابًا لا يزيدونَ عنْ ثلاثة! وحينما غابَ الثلاثةُ ذاتَ مرَّةٍ اكتفى الشيخُ بحضورِ مؤذنِ المسجد، ولعلَّ اللهَ-سبحانه- قدْ اطلَّعَ على حسنِ نيته وصدقهِ فامتلأتْ له المساجدُ بالطُّلابِ والقلوبُ بالحبِّ والتقدير، وممَّا يذكره قُدامى ملازميه أنَّ همَّةَ الشيخِ بالتدريسِ عاليةٌ مهما كانَ العدد، وكانَ يحثُّ العلماءَ على التدريسِ ويؤكدُ منْ خلالِ تجربتهِ الطويلةِ أنَّ العالمَ هوَ أولُ المستفيدينَ منْ الدَّرس.

ويتحلى الشيخُ بتواضعٍ جمّ، فقدْ انتظمَ طالبًا ودرَّسهُ وناقشهُ مَنْ كانَ في عدادِ طلابه، وحضرَ عددًا منْ المحاضراتِ العامَّةِ لأقرانهِ ووصفَ بعضَ أكابرِ العلماءِ منْ جيلهِ بقوله:"شيخنا"وهو تعبيرٌ نادرٌ بينَ الأقران، وقدْ ظلَّ الشيخُ حريصًا على حضورِ الدُّروسِ العامَّةِ التي يلقيها شيخُه الإمامُ ابنُ بازٍ ولمْ يثنهِ عنْ ذلكَ جلوسُ الشبابِ عنْ يمينهِ ويساره. وحدَّثني أحدُ الزُّملاءِ أنَّ ابنَ بازٍ أنابَ ابنَ جبرينَ عنهُ لإلقاءِ محاضرةٍ في جامعِ التركي فبدأَ الشيخُ المحاضرةَ بالاستغفارِ ولومِ النَّفسِ على الحديثِ بدلًا منْ الإمامِ ابنِ باز! وممَّا حباهُ اللهُ الذَّاكرةَ القويةَ فكانَ يسردُ ويستحضرُ كأنَّما يقرأُ منْ كتابٍ فُتحَ بينَ عينيه.

ومنْ العبرِ الجليلةِ في حياةِ الشيخِ اقترانُ العلمِ بالعملِ والعبادة؛ فلا رونقَ للعلمِ بلا عمل، وقدْ روى أحدُ العاملينَ في جامعِ القاضي أنَّه رأى الشيخَ يدخلُ منْ بابِ المحرابِ قبيلَ المغربِ ويفطرُ على ثلاثِ تمراتٍ وكأسِ ماءٍ فقطْ ثمَّ يصلي ويلقي درسًا بعدَ المغربِ وآخرَ بعدَ العشاءِ ويجيبُ عنْ الأسئلةِ دونَ أنْ يكلَّ أوْ يملَّ وذاكَ لعمرُ اللهِ نشاطُ الرُّوحِ المؤمنةِ التي لا يحتملها جسدُ شيخٍ في عشرِ الثمانينَ لولا الإيمانُ والاحتساب. وذكرَ لي زميلٌ أنَّه ذهبَ للاصطيافِ في"تنومة"-جنوب السعودية- فتفاجأَ بنشاطاتِ الشيخِ وجهودهِ وتلكَ همَّةٌ بلغتْ القمَّةَ وجعلتْ صاحبَها يفني الإجازةَ في الترحالِ بينَ مناطقِ المملكةِ معلمًَّا وداعيًا وموجها.

وللشيخِ مواقفٌ صريحةٌ كسرَ فيها حاجزَ الصمتِ والمداراة، ومنها رأيهُ الواضحِ في"حزب الله"؛ إضافةً إلى فتاواه في الشيعةِ الرَّوافض، ومنْ مواقفهِ الشهيرةِ تزكيتُه للعلماءِ والدُّعاةِ الذينَ تناوشتهم سهامُ التصنيفِ الجائرِ فكانَ للشيخِ كلمةُ حقٍّ لا تنسى، وقدْ كانَ الشيخُ مؤيدًا لكلِّ عملٍ مباركٍ ينفعُ الأمَّةَ ويحفظُ لها حقوقَها أوْ يصلحُ منْ شأنِها. ومنْ آخرِ مواقفه التي تبينُ إنصافَه تأييدُه للشيخِ القرضاوي ضدَّ هيجانِ الشيعةِ عليهِ ولمْ يلتفتْ ابنُ جبرينَ لخلافهما السابقِ حولَ الشيعةِ وحزبِ الله.

وقدْ حزنَ المسلمونَ لوفاةِ الشيخ؛ فنعاهُ الدِّيوانُ الملكي وبكاه أصحابُ القلوبِ السليمةِ وكثرَ زوارُ موقعِ الشيخِ للتأكدِ منْ الخبر، ثمَّ صلَّتْ عليه جموعٌ غفيرةٌ منْ العامَّةِ والخاصَّةِ في جامعِ الإمامِ تركي بنِ عبدِ الله- الجامعِ الكبير الذي احتضنَ الشيخَ طالبًا وعالمًا- وأُغلقتْ أبوابه قبلَ الظهرِ بنصفِ ساعة، وتبعهُ المشيعونَ إلى مقبرةِ العودِ حيثُ وسِّدَ الثرى هناك؛ فيا للهِ أيُّ صرحٍ للعلمِ هوى؟ وأيُّ نبعٍ عذبٍ غاض؟ وأيُّ فارسٍ هُمامٍ ترَّجل؟

فاللهمَّ أحسنْ عزاءَ آلهِ وأمتهِ وعوِّض المسلمين واخلفْ عليهم خيرًا منْ إمامهم الرَّاحل؛ ونسألُ اللهَ أنْ تقومَ للعلمِ سوقٌ رائجةٌ تحيي الجامعاتِ العلميةِ الكبرى في الرِّياضِ عاصمةِ العلمِ وروضةِ العلماءِ ودوحةِ الحفَّاظ؛ حتى نرى فيها جامعاتٍ كالتي كانتْ في جامعِ دخنةَ وسارةَ والجامعِ الكبيرِ وغيرِها، فحقيقٌ بعاصمتِنا أنْ تكونَ مركزًا علميًا يتسابقُ إليها طلابُ العلمِ منْ أنحاءِ العالم.

أحمد بن عبد المحسن العسّاف-الرِّياض

الثلاثاء 21 من شهرِ رجبٍ الحرام عام 1430

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت