فهرس الكتاب
حاولتُ أن أسفح الدموع، لتطفئ أوار الحزن الذي شبّ في خافقي، ولكن الغصة التي شرقتُ بها حين علمت بوفاة العلامة الشيخ عبد الله بن جبرين - رحمه الله وأعلى نزله - قد حالت دون عروج لفحات الأسى التي تستمطر المقلتين عبرات ودموعًا، فما أقسى الحزن إذا ظل مكبوتًا في الحنايا، ولم يجد منفذًا ينفذ منه.
وقفتُ مذهولًا حينما قرأت الرسالة التي حملت لي خبر وفاة الشيخ - غفر الله له - وشخص بصري برهة يستعرض اللقاءات والدروس والمحاضرات التي جمعتنا بالشيخ معلمًا وطلابًا.
الموت حق، والدنيا دار فناء، ولكن وقع المصيبة بموت أحد الأعلام الأفذاذ جرحٌ غائرٌ في النفس، لا يطببه نطاسي، ولا يأسوه آس، وإنما يلتئم مع مرور الأيام بدواء الصبر والسلوان.
لكل بلاء في الحياة طبيبُهُ
وليس لفقد المصلحين طبيبُ
رحل شيخنا وحبيبنا العلامة عبد الله بن جبرين رحمه الله وأسكنه الفردوس عنا في زمن مدلهمّ بالفتن والشهوات والشبهات، نحن محتاجون فيه إليه وإلى أمثاله من المصابيح التي تنير الطريق لسالكيها، وتفضح فيها لصوص الفكر، وقطاع سبيل الخير.
بمن يهتدي الساري الذي سار في الدجى
إذا كانت الأقمارُ فيه تغيبُ؟
الشيخ ابن جبرين - رحمه الله - سراج من سرج العلم التي طالما اتقدت نورًا وتبصرة في دهاليز الفتن المحلولكة التي مرت بها الأمة، فكانت آراؤه وفتاواه مشاعل تهدي من يأخذ بها إلى ضفاف السلامة، ومرافئ الأمان.
يحق لي أن أصف العلامة ابن جبرين - رحمه الله - بالرحالة، لأنه جاب المدن البعيدة، وطاف القرى النائية، في سبيل تبليغ العلم - بلغه الله أعالي الجنان - فقد عرف عنه - رحمه الله - أنه لا يتردد في إجابة من يدعوه إلى إقامة الدروس والمحاضرات في تلك المدن وهاتيك القرى.
بكتك ديار المسلمين وأهلها
فقد كنت فيها بالشريعة رائدا
وبكتك حلقات العلوم تركتها
وقد كنت فيها جاهدًا ومجاهدا
ولكن يُسلى كل باك بأنه
كما قد وردت الموت يأتيه واردا
العالم الجليل عبد الله بن جبرين - رحمه الله - عاش منطويًا في أكناف الزهد والورع، نائيًا بنفسه عن بهارج الدنيا وزخارفها، تبحث عنه وينأى عنها، ولو أرادها لأمسك بزمامها، إذ هي قريبة منه، دانية إليه.
في مشهد الصلاة على الشيخ - رحمه الله -، وتشييع جنازته إلى المقبرة، كانت السبل مكتظة بجموع الناس، الذين تقاطروا من كل صوب - رغم حرارة الهجير - ليؤدوا حق الشيخ عليهم، ويقضوا دَيْنَ محبته والوفاء له، قلت في نفسي: سبحان الله!
إن للمحبة الصادقة سرًا دفينًا، يدفع المحبين إلى وصال أحبابهم ولو بعد مماتهم، غير عابئين بما يعترض خطاهم من مشاق وعثرات.
اليوم جئنا خلف نعشك خشعًا
أذكرتنا لما رحلت مدانا
لله درك ما تزال مذكرًا
للناس لا تنسى ولا تتوانى
هرع الجميع يشيعونك جهرة
والحزن في قسماتهم قد بانا
قد شيعوك وبعضهم يخفي البكا
والبعض لم يسطع له كتمانا
ما زلت أتذكر استبشارنا بقدوم الشيخ - غفر الله له - علينا في الدلم قبل عام، وحثنا لبعضنا على الحضور عنده، والنهل من سلسبيل علمه، واليوم نحن نعزي بعضنا، ونواسي الأمة في وفاته - رحمه الله -.
هذي هي الدنيا وهذي حالها
لابد من صفو بها ونقيض
عقبى صفاء العيش مر مثلما
يلقى زلال الماء ريق مريض
لقد رحل الشيخ ابن جبرين، ورحل قبله العلماء والمصلحون، وهاهي الكتب التي كانوا يحملونها في حياتهم، لتعليم الناس وتفقيههم، قد حملتهم بعد مماتهم عرفانًا ووفاء.
حملت دواوين العلم معلما
وها أنت ذا فيهن تحوى وتحملُ
سيشهد التاريخ أن عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين من العلماء الأعلام، الذين ساروا في مسالك الزمان، وسيقول من يأتي بعده: (لقد مر وهذا الأثر) .
سيذكرك التاريخ لو كنت ثاويًا
فيؤنس ولهانًا ويقهر حاسدا
سيذكرك التاريخ بالخير والهدى
وأنعم بهذا في الأنام محامدا
سيذكرك التاريخ بالعلم والتقى
ويجعلك التاريخ بالذكر خالدا
فهد بن علي العبودي - الدلم
ـ [محمد زياد التكلة] ــــــــ [21 - 07 - 09, 08:47 م] ـ
أيحق لي أن أحزن؟
لقد فقدت الأمة الإسلامية شيخًا جليلًا، عالمًا، فقيهًا، محبًا، متواضعًا، زاهدًا، ورعًا - ولا أزكي على الله أحدًا - نعم قد وجد في هذا الزمان رجل يتصف بهذه الخصال ولكنه رحل .. نعم رحل بعلمه الواسع بحضوره المنتشر بوقته الذي ليس له بل لمحبيه الكثر .. رحل شيخنا وعالمنا والعلامة عبدالله بن جبرين (رحمه الله) .. ولا نقول في هذا المصاب الجلل إلاّ ما قال ربنا جل وعلا {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} وكما قال نبينا صلى الله عليه وسلم (إنّ العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلاّ ما يرضي ربنا) .. وإنا لفراقك با ابن جبرين لمحزونون.
عندما أتذكر كرسيه في مسجد القاضي وهو يلقي أحد دروسه، أو عند جلسته في الخيمة المتواضعة أيام عيد الفطر في محافظة القويعية في اجتماع إحدى أسر الجبرين، وأنا بقربه .. أتذكر أبًا وموجهًا ومربيًا عالمًا ربانيًا لن تراه عيناي مرة أخرى.
من تواضعه (رحمه الله) رفضه لأي شخص أن يقبِّل رأسه - وهو يستحق أكثر من ذلك - وإن حاولت ذلك كان حري بك أن تجهز جيوشك الداخلية ويا ليتك تستطيع، أتذكرم موقفًا لأحد إخوتي عندما حاول تقبيل يد الشيخ (رحمه الله) فبادر الشيخ بسحب يده ومسك يدي أخي ليقبلها!! .. تدبّر ذلك .. ماذا تستنتج؟ .. إنه قمة التواضع الذي قلّ أن يوجد في هذا العصر وللأسف.
لقد عاش - رحمه الله - مسخرًا وقته ومفرطًا في صحته لنشر ما حباه الله به من علم، فلا تجد حلقًا علمية في أي بلد إلاّ وهو على رأس قائمتها، ولا تدعوه لمناسبة إلاّ كان أول ملبيها، ولكن هذه سنّة الحياة فقد رحل قبله أعز الخلق نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) .
أسأل الله في الختام أن يغفر لشيخنا وأن لا يحرمه أجر ما نشره من علم وأن يوسع عليه قبره .. آمين.
نقيب- بندر بن عبدالله الربيعة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)