الصفحة 24 من 73

، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبيّن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تَبلّ خِمارها.

وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعليّ رضي الله عنهم أجمعين، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم، فإنه لما تراسل عليّ وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، وكان عليّ غي راضٍ بقتل عثمان ولا معينًا عليه، كما كان يحلف فيقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله، وهو الصادق البار في يمينه، فخشي القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظن طلحة والزبير أن عليًا حمل عليهم، فحملوا دفعًا عن أنفسهم، فظن عليّ أنهم حملوا عليه، فحمل دفعًا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعائشة رضي الله عنها راكبة: لا قاتلت، ولا أمرت بالقتال. هكذا ذكره غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار (1)

(1) قال أبو عبد الرحمن ساء قتلة عثمان رضي الله عنه أن يجتمع المسلمون على كلمة واحدة، ويصلحوا ذات بينهم، وذلك لأن هدفهم تمزيق وحدة المسلمين، لذا فقد اجتمع نفر منهم: علباء بن الهيثم، وعدي بن حاتم، وسالم بن ثعلبة العبسي، وشريح بن أوفى بن ضبيعة، والأشتر، في عدة ممن سار إلى عثمان، ورضي بسير من سار، وجاء معهم المصريون: ابن السوداء وخالد بن ملجم، وتشاوروا فقالوا: ما الرأي؟ وهذا والله عليّ، وهو أبصر الناس بكتاب الله وأقرب ممن يطلب قتلة عثمان وأقربهم إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه إلا هم والقليل من غيرهم، فكيف به إذا شام القوم وشاموه (أي حققوا حملات الحرب) ، وإذا رأوا قلتنا في كثرتهم؟ أنتم والله ترادون، وما أنتم بأنجى من شيء. فقال الأشتر: أما طلحة والزبير فقد عرفنا أمرهما، وأما عليّ فلم نعرف أمره حتى كان اليوم ورأى الناس فينا والله واحد، وإن يصطلحوا وعلي، فعلى دمائنا، فهلموا فلنتواثب على عليّ فلنلحقنه بعثمان، فتعود فتنة يُرضي منا فيها بالسكون.

فقال عبد الله بن السوداء: بئس الرأي رأيت، أنتم يا قتلة عثمان من أهل الكوفة بذي قار ألفان وخمسمائة أو نحو من ستمائة، وهذا ابن الحنظلية وأصحابه في خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلًا، فأرقأ على ظلعك (أي أصلح أمرك أولًا) .

وقال علباء بن الهيثم: انصرفوا بنا عنهم ودعوهم، فإن قلّوا كان أقوى لعدوهم عليهم، وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم، دعوهم وارجعوا فتعلقوا ببلد من البلدان حتى يأتيكم فيه من تتقوون به، وامتنعوا من الناس.

فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت، ودّ والله الناس أنكم على جديلة (أي على رأي واحد) ، ولم تكونوا مع أقوام براء، ولو كان ذلك الذي تقول لتخطفكم كل شيء.

فقال عدي بن حاتم: والله ما رضيت ولا كرهت، ولقد عجبتُ من تردد من تردد عن قتله في خوض الحديث، فأما إذ وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة، فإن لنا عتادًا من خيول وسلاح محمودًا، فإن أقدمتم أقدمنا وإن أمسكتم أحجمنا.

فقال ابن السوداء: أحسنت.

وقال سالم بن ثعلبة: من كان أراد بما أتى الدنيا فإني لم أرد ذلك، والله لئن لقيتهم غدًا لا أرجع إلى بيتي، ولئن طالب بقائي إذا أنا لاقيتهم لا يزد على جزر جزور، وأحلف بالله إنكم لتفرقون السيوف فرق قوم لا تصير أمورهم إلا إلى السيف.

فقال ابن السوداء: قد قال قولًا.

وقال شريح بن أوفى: أبرموا أموركم قبل أن تخرجوا، ولا تؤخروا أمرًا ينبغي لكم تعجيله، ولا تعجلوا أمرًا ينبغي لكم تأخيره، فإنا عند الناس بشرّ المنازل، فلا أدري ما الناس صانعون غدًا إذا ما هم التقوا.

وتكلم ابن السوداء فقال: يا قوم إن عزكم في خلطة الناس، فصانعوهم، وإذا التقى الناس غدًا فأنشبوا القتال، ولا تفرّغوهم للنظر، فإذا من أنتم معه لا يجدُ بُدًّا من أن يمتنع، ويشغل الله عليًا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهون. فأبصروا الرأي، وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون. (انظر تاريخ الطبري 4/493-494) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت