الصفحة 94 من 127

فالزاني والسارق والشارب إذا تابوا بعد الرفع إلى الإمام وثبوت الحد عليهم، لم يسقط الحد عنهم بالتوبة، بل يعاقبون مع كونهم بالتوبة مستحقّين للجنة، ويكون الحد مما يثابون عليه ويؤجرون عليه، ويكفّر الله به ما يحتاج إلى التكفير.

ولو أن رجلًا قتل من اعتقده مستحقًّا لقتله قصاصًا، أو أخذ ما لا يعتقد أنه له في الباطن، ثم ادّعى أهل المقتول وأهل المال بحقهم عند ولي الأمر، حكم لهم به، وعاقب من امتنع من تسليم المحكوم به إليهم، وإن كان متأولًا فيما فعله، بل بريئًا في الباطن.

وأكثر الفقهاء يحدون من شرب النبيذ المتنازع فيه، وإن كان متأوّلًا. وكذلك يأمرون بقتال الباغي المتأوّل لدفع بغيه، وإن كانوا مع ذلك لا يفسِّقونه لتأويله.

وقد ثبت في الصحيح أن عمّار بن ياسر لما أرسله عليّ إلى الكوفة هو والحسن ليعينوا على عائشة، قال عمّار بن ياسر: إنّا لنعلم أنها زوجة نبيّكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها لينظر: إياه تطيعون أم إياها؟ (1) .

فقد شهد لها عمّار بأنها من أهل الجنة زوجة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الآخرة، ومع هذا دعا الناس إلى دفعها بما يمكن من قتال وغيره.

فإذا كان عمّار يشهد لها بالجنة ويقاتلها، فكيف لا يشهد له عثمان بالجنة ويضربه؟

وغاية ما يُقال: إن ما وقع كان هذا وهذا وهذا مذنبين فيه. وقد قدّمنا القاعدة الكلية أن القوم مشهود لهم بالجنة وإن كان لهم ذنوب.

حبّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم لعمار بن ياسر

وأما قوله:"وقال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم: "عمّار جلدة بين عَيْنَي، تقتله الفئة الباغية، لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة"."

(1) الحديث - مع اختلاف في الألفاظ - عن عمّار بن ياسر رضي الله عنه في: البخاري 5/29 (كتاب فضائل أصحاب النبي...، باب فضل عائشة ...) ، 9/55-56 (كتاب الفتن؛ باب حدثنا عثمان بن الهيثم...) ؛ المسند (ط. الحلبي) 4/265 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت