الصفحة 410 من 511

فَمَزَحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَمْزَحُوا، وَوَقَفَ عَلَى أَصْحَابِ الدِّرْكِلَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، فَقَالَ:"خُذُوا يَا بَنِي أَرْفِدَةَ"1، لِيَعْلَمَ الْيَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً.

يُرِيدُ مَا يَكُونُ فِي الْعُرُسَاتِ، لِإِعْلَانِ النِّكَاحِ، وَفِي الْمَآدِبِ، لِإِظْهَارِ السُّرُورِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ:"مَا أَنَا مِنْ دَدٍ وَلَا الْدَّدُ مِنِّي"، فَإِنَّ الْدَّدَ: اللَّهْوُ وَالْبَاطِلُ.

وَكَانَ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، وَإِذَا لَمْ يَقُلْ فِي مِزَاحِهِ إِلَّا حَقًّا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمِزَاحُ دَدًا وَلَا بَاطِلًا.

قَالَ لِعَجُوزٍ:"إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا الْعُجُزُ"2، يُرِيدُ أَنَّهُنَّ يَعُدْنَ شَوَابَّ.

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُخْرَى:"زَوْجُكِ فِي عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ"، يُرِيدُ: مَا حَوْلَ الْحَدَقَةِ مِنْ بَيَاضِ الْعَيْنِ، فَظَنَّتْ هِيَ أَنَّهُ الْبَيَاضُ الَّذِي يَغْشَى الْحَدَقَةَ.

وَاسْتَدْبَرَ رَجُلًا مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ:"مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي الْعَبْدَ"؟

يَعْنِي: أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ.

وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ لَيْسَ فِيهِ -بِحَمْدِ اللَّهِ، وَنِعْمَتِهِ- حَرَجٌ، وَأَفْضَلُ الْعَمَلِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ.

تَكْلِيفُ النَّفْسِ بِمَا تُطِيقُ:

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

حَدَّثَنَا الزِّيَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن طحلا، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قل"3.

1 أرفدة: لقب لأبناء الْحَبَشَة وَقيل هُوَ اسْم لجد من جدودهم الأقدمين، ذكره فِي النِّهَايَة.

2 مشكاة المصابيح: بَاب المزاح رقم الحَدِيث 4888.

3 رَوَاهُ البُخَارِيّ: كتاب 19 بَاب 18 و20 وَكتاب 30 بَاب20 و48 و55 و57، وَمُسلم: كتاب 6 ح219 و223، وَكتاب 13 ح181 و182، وَأَبُو دَاوُد: كتاب 5 بَاب 29 وَكتاب 14 بَاب 54.

وكلف بِهِ: أولع، والتكليف: الْأَمر بِمَا يشق، وتكلفه: تجشمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت