الصفحة 460 من 511

وَهَذَا نَقْضٌ لِذَاكَ:

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنحن نقُول: إِنَّه لَيْسَ، هَهُنَا، تَنَاقَضٌ.

لِأَنَّهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ أَوْ يَأْكُلَ مَاشِيًا.

يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ وَأَكْلُهُ عَلَى طُمَأْنِينَةٍ، وَأَنْ لَا يَشْرَبَ -إِذَا كَانَ مُسْتَعْجِلًا فِي سَفَرٍ أَوْ حَاجَةٍ وَهُوَ يَمْشِي- فَيَنَالَهُ مِنْ ذَلِكَ شَرَقٌ، أَوْ تَعَقُّدٌ مِنَ الْمَاءِ فِي صَدْرِهِ.

وَالْعَرَبُ تَقُولُ:"قُمْ فِي حَاجَتِنَا"، لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَقُومَ حَسْبُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ"امْشِ فِي حَاجَتِنَا، اسْعَ فِي حَاجَتِنَا".

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْأَعْشَى:

يَقُومُ عَلَى الْوَغْمِ1 قَوْمَهُ ... فَيَعْفُو إِذَا شَاءَ أَوْ يَنْتَقِمْ

يُرِيدُ بِقَوْلِهِ:"يَقُومُ عَلَى الْوَغْمِ"أَنَّهُ يُطَالِبُ بِالذَّحْلِ2، وَيَسْعَى فِي ذَلِكَ حَتَّى يُدْرِكَهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَقُومُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْشِيَ.

وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} 3.

يُرِيدُ: مَا دُمْتَ مُوَاظِبًا عَلَيْهِ بِالِاخْتِلَافِ، وَالِاقْتِضَاءِ، وَالْمُطَالَبَةِ، وَلَمْ يُرِدِ الْقِيَامَ وَحْدَهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي:"كَانَ يَشْرَبُ وَهُوَ قَائِمٌ"، يُرَادُ: غَيْرَ مَاشٍ وَلَا سَاعٍ.

وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى طُمَأْنِينَةٍ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَاعِدِ.

1 الوعم: الحقد الثَّابِت فِي الصَّدْر، والقهر"كَمَا فِي الْقَامُوس".

2 الذحل: الثأر، أَو طلب مُكَافَأَة بِجِنَايَة جنيت عَلَيْهِ.

3 الْآيَة: 75 من سُورَة آل عمرَان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت