فَأَيْنَ كَانَ طَلَبِ الْمَخْرَجِ لَهُ مِنْ وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ نَبَّهَهُ عَلَى أَنَّ لَهُ مَخْرَجًا بِقَوْلِهِ:"أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ".
فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَكُونُ طَلَبُ الْمُخْرِجِ، خَبَّرْنَاكَ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ؛
فَمِنْهَا: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْخَوَارِجِ، لَقِيَ رَجُلًا مِنَ الرَّوَافِضِ، فَقَالَ لَهُ:"وَاللَّهِ لَا أُفَارِقُكَ، حَتَّى تَبْرَأَ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَوْ أَقْتُلُكَ".
فَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ مِنْ عَلِيٍّ، وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ؛ فَتَخَلَّصَ مِنْهُ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ: أَنَا"مِنْ عَلِيٍّ"يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَوَلَّاهُ"وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ"فَكَانَتْ بَرَاءَتُهُ مِنْ عُثْمَانَ وَحْدَهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ، سَأَلَ رَجُلًا كَانَ يَتَّهِمُهُ بِبُغْضِ السُّلْطَانِ وَالْقَدْحِ فِيهِ، عَنِ السَّوَادِ الَّذِي يَلْبَسُهُ أَصْحَابُ السُّلْطَانِ؛ فَقَالَ لَهُ:"النُّورُ -وَاللَّهِ- فِي السَّوَادِ"فَرَضِيَ بِذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ"أَنَّ نُورَ الْعَيْنِ، فِي سَوَادِ الْحَدَقَةِ"فَلَمْ يَكُنْ فِي يَمِينِهِ آثِمًا وَلَا حَانِثًا.
وَمِنْهَا أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ فَقَالَ:"لَئِنْ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ، لَا أَدْخُلُهَا، وَلَئِنْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ إِلَّا مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ، لَا أَدْخُلُهَا"1.
فَقِيلَ لَهُ: مَا صَنَعْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَرَّقْتُ النَّاسَ؛ فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ:
"إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ عليَّ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ، إِلَّا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَتَلَهُ، وَأَنَا مَعَهُ"2. فَأَوْهَمَهُمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ مَعَ قَتْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَتَلَهُ، وَسَيَقْتُلُنِي مَعَهُ.
وَمِنْهَا أَنَّ شُرَيْحًا3 دَخَلَ عَلَى زِيَادٍ فِي مَرَضِهِ، الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا
1 لم نجد أَن مرجعًا موثوقًا يذكرهُ، وَلَا نطمئن لصِحَّته. وَالله أعلم.
2 نشك فِي صِحَة نِسْبَة هَذَا القَوْل لعَلي رَضِي الله عَنهُ، وَلم نجده فِي مرجع موثوق. وَالله أعلم.
3 شُرَيْح القَاضِي، هُوَ شُرَيْح بن الْحَارِث بن قيس بن جهم الْكِنْدِيّ، أَبُو أُميَّة من أشهر الْقُضَاة الْفُقَهَاء فِي صدر الْإِسْلَام. أَصله من الْيمن، ولي قَضَاء الْكُوفَة فِي زمن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَمُعَاوِيَة، واستعفى فِي أَيَّام الْحجَّاج فأعفاه، وَكَانَ ثِقَة بِالْحَدِيثِ. مَاتَ بِالْكُوفَةِ 78هـ.