أما ما أثاره المستشرقون من شبهات حول تفسير الآية فمغالطة عليم أو سفه جهول: فإنهم زعموا أن لا قبل لباحث بتحديد عمر النبي في بدء الوحي1, وعلل بعضهم تعذر هذا التحديد باضطراب الروايات وتناقضها2 بينما فسره بعضهم الآخر بما درج عليه العرب وأكثر الساميين من إضفاء صفة سحرية على رقم الأربعين الذي ينطوي على أعمق الأسرار3.
ومغالطتهم -على علم- تتمثل في معرفتهم كذب دعواهم فيما زعموه من اضطراب الروايات، فإن تعدد الروايات لا يستلزم الاضطراب حتما، وإنما يقع التناقض والتضارب إذا تعادلت الروايات وتساوت وتعذر الترجيح بينها كما ذكر نقاد الحديث في مصطلحهم العلمي الدقيق4، فأما إذا رجحت رواية على أخرى فما من فرصة بعد للقول بالتناقض، ولينقل المؤرخون عشرات الروايات في عمر النبي5 فسيظل الرأي الأشهر هو الرأي الأصح كما رجحه المحققون من أهل التفسير6.
وجهل المسشرقين أو تجاهلهم يتمثل في حيرتهم الحقيقية أو المصطنعة لدى تحديد الرقم السحري المليء بالأسرار عند العرب والساميين, فهو الأربعون
1 ذهب إليه بلاشير في مستهل ترجمته للقرآن. انظر:
2 انظرمقالة الأدب لامنس في الجريدة الأسيوية:
3 استند بلاشير -للقول بهذا- إلى مقالتين نشرتا في مجلة ألمانية تصدر في ليبزيغ تدعي:
أولهاما في المجلد 61 وكتبه كونيج Konig والأخرى في المجلد 65 وكتبه ريشر Rescher.
4 انظر تدريب الراوي"للسيوطي"93 وتوضيح الأفكار"للصنعاني"2/ 47، وقارن بكتابنا"علوم الحديث"ص193.
5 راجع أهم هذه الروايات في"الطبقات الكبرى"لابن سعد 2ق 2/ 82.
6 انظر على سبيل المثال تفسير ابن كثير 2/ 410، وقد بدأ ابن كثير هنا بالرأي المشهور القائل بأن مدة إقامته عليه الصلاة والسلام قبل البعثة أربعون سنة، ثم عقبه برأي لسعيد بن المسيب: أنها ثلاث وثلاثون، ثم قال: والصحيح المشهور الأول.