الصفحة 786 من 931

مما سبق نلاحظ أن جل أولئك الفقهاء الذين تصدروا للإفتاء والمشاورة كانوا من المستورين إن لم يكونوا من المياسير. لكن هذه الصورة لا يمكن أن تشمل الكل فقد وجد بين أهل الإفتاء من كان أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى، فالفقيه أصبغ بن خليل، المتوفى سنة 273هـ (886م) كان يلي رئاسة الإفتاء بالأندلس مدة خمسين عامًا1. ومع ذلك فقد كان فقيرًا لم يكتسب شيئًا، حتى أن أبا عمر ابن عبد البر يذكر أن تركة أصبغ عند وفاته بلغت مائة دينار فقط2.

ونظرًا لأهمية منصب المفتي في الأندلس، فلنا أن نتوقع أن لا يتصدر أحد للإفتاء إلا من بعد صدور ظهير رسمي من قبل الأمير أو الخليفة، ولعل من الأدلة المؤيدة لهذا ما جرى في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما قام قاضي الجماعة آنذاك بمشاورة الفقيه عبد الأعلى بن وهب دون إذن مسبق من الأمير الذي ما إن علم بالأمر حتى عنَّف قاضي الجماعة وأغلظ له، كما لحقت الفقيه ابن وهب غضاضة3.

ومن الملاحظ أن منصب الإفتاء -الشورى- يمكن أن يكون متوارثًا، حاله في ذلك حال بقية المناصب في دولة بني أمية بالأندلس، فالفقيه المشاور يحيى بن يحيى الليثي ترك ولدين هما: إسحاق المتوفى سنة 261هـ (875م) وعبيد الله المتوفى سنة 298هـ (911م) ، وكلاهما

1-ابن الفرضي، ترجمة رقم 247.

2-تبصرة الحكام، 1/70.

3-ابن الفرضي، ترجمة رقم 837. ترتيب المدارك، 4/246-247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت