الصفحة 7 من 32

حكمته وسعة فهمه:

أكثر مترجموا الإمامِ جعفر الصادق من نقلِ حِكمِهِ، وأجوبتهِ المسكتةِ للأسئلةِ المشكلةِ، تلك الأجوبةُ التي تبينُ عن سعةِ علمهِ وبعد فهمهِ، وما حباهُ اللهُ به من سرعةِ البديهةِ، واللسانِ المفصحِ عن جوامعِ المعاني، وفقههِ لمقاصدِ التشريعِ وأسرارهِ، وهو فضلُ اللهِ يؤتيهِ من يشاءُ.

فقد سألهُ تلميذهُ سفيانُ الثوري بمكةَ في موسمِ الحجِ، فقال: قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِأَبِي عَبْدِ اللهِ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ قَدْ أَنَاخَ بِالأَبْطَحِ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُوْلِ اللهِ! لِمَ جُعِلَ المَوْقِفُ مِنْ وَرَاءِ الحَرَمِ، وَلَمْ يُصَيَّرْ فِي المَشْعَرِ الحَرَامِ؟ فَقَالَ: الكَعْبَةُ بَيْتُ اللهِ، وَالحَرَمُ حِجَابُه، وَالمَوْقِفُ بَابُه، فَلَمَّا قَصَدَه الوَافِدُوْنَ، أَوْقَفَهَم بِالبَابِ يَتَضَرَّعُوْنَ، فَلَمَّا أَذِنَ لَهُم فِي الدُّخُولِ، أَدْنَاهُم مِنَ البَابِ الثَّانِي وَهُوَ المُزْدَلِفَةُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى كَثْرَةِ تَضَرُّعِهِم، وَطُولِ اجْتِهَادِهِم، رَحِمَهُم، أَمَرَهُم بِتَقْرِيْبِ قُربَانِهم، فَلَمَّا قَرَّبُوا قُربَانَهم، وَقَضَوْا تَفَثَهُم، وَتَطَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوْبِ الَّتِي كَانَتْ حِجَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُم، أَمَرَهُم بِزِيَارَةِ بَيْتِه عَلَى طَهَارَةٍ. قَالَ: فَلِمَ كُرِهَ الصَّومُ أَيَّامَ التَّشرِيْقِ؟ قَالَ: لأَنَّهم فِي ضِيَافَةِ اللهِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الضَّيفِ أَنْ يَصُوْمَ عِنْدَ مَنْ أَضَافَه.

وروى أبو نعيم في الحليةِ بسندهِ إلى أحمدَ بنِ عمرو بنِ المقدم الرازي قال: وقع الذبابُ على المنصور - أبي جعفر الخليفةِ العباسي - فذبهُ عنهُ، فعاد فذبهُ حتى أضجرهُ فدخل جعفرُ بنُ محمدٍ عليه، فقال المنصورُ: يا أبا عبدِ اللهِ لِمَ خَلَقَ اللهُ الذُّبَابَ؟ قَالَ: لِيُذِلَّ بِهِ الجَبَابِرَةَ.

وقال جعفرُ الصادق لتلميذهِ سفيانَ الثوري: لاَ يَتِمُّ المَعْرُوْفُ إِلاَّ بِثَلاَثَةٍ: بِتَعجِيْلِه، وَتَصْغِيْرِه، وَسَترِه.

وروى تلميذهُ عَائِذُ بنُ حَبِيْبٍ - وهو صدوقٌ رمي بالتشيعِ - أن جعفرَ الصادق قال: لاَ زَادَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقوَى، وَلاَ شَيْءَ أَحْسَنُ مِنَ الصَّمتِ، وَلاَ عَدوَّ أَضرُّ مِنَ الجَهْلِ، وَلاَ دَاءَ أَدْوَأُ مِنَ الكَذِبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت