وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف: 79 - 82] ، فلما ذكر الزكاة والرحمة نسبها إلى الرب قال {فَأَرَادَ رَبُّكَ} ، ولم يقل فأردت، ولما ذكر العيب نسبه إلى نفسه قال {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} ، وهذا كله مُندرجٌ ضمن أدب رسولنا صلى الله عليه وسلم مع ربه، وهو أعظم ما يُنقل عنه ويُتأسى به صلوات الله وسلامه عليه.
نعود إلى فقه الواقع الذي كان عليه صلوات الله وسلامه عليه، كتب الكتب وبعث بها إلى الملوك والزعماء يدعو إلى الله ويبلغ رسالة ربه، وهو في كل رسالة يبعثها يختار من يحملها،
والعاقل تدل على عقله ثلاثة أشياء: هديته، وكتابه، ورسوله، بمعنى أنه لو أتاك خطابٌ من أحدٍ أو مرسول من أحد أو هدية من أحد فإنما الكتاب والهدية والمرسول تدلك على عقل من بعثها، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يختار قومًا مُعينين من أصحابه وهو يبعثهم إلى الملوك والرؤساء بما يوافق حالهم -أي حال هؤلاء الملوك-، لأن ليس المقصود التجبر والتكبر وإنما المقصود أن يدخل الناس في دين الله أفواجًا.
فكان ممن بعث لهم النجاشي، والنجاشي لقبٌ يُطلق على من ملك الحبشة، واختلف في النجاشي الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية إليه هل هو النجاشي الذي هاجر إليه المهاجرون الأوائل؟ قال بهذا قوم، وهل هو غيره؟ قال بهذا قومٌ آخرون - أقصد من العلماء-، والذي يظهر - والله تعالى أعلم- أنه غير النجاشي الأول كما يدل عليه حديث أنس، والله تعالى أعلم.
(بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم، واسمه هرقل، فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عنده صحة نبوته، فهم بالإسلام، فلم توافقه