فهرس الكتاب
وكذلك أيضًا هذه الكُتب- التي هي كتب المتقدمين- أُلِّفت في أزمنة الأئمة ، واطَّلَع عليها العلماء وأقرُّوها ، بل رُبَّما عقَّبوا أو بيَّنوا أمورًا فيها ، فتجد فيها ما لا تجده في غيرها مع ما للقوم من إخلاصٍ ظهر أثرُه في بقاء كُتُبهم وانتفاع المسلمين بها والكتابُ إذا عُرف صاحبه بالإخلاص فكثيرٌ نفعُه ، وكثيرٌ خيرُه وما يضع الله-?- فيه من النفع ، ولذلك بقدر ما تستطيع تحرص على كُتُب المتقدِّمين وأعرف من الزُّملاء في طلب العلم من كان حريصًا على كُتُبِ المتأخِّرين ، وكان الوالد-رحمة الله عليه- يقول لي: أوصيك - قدر المستطاع - ألا ترجع إلا لكتب المتقدِّمين ، فإن الله ينفع بعلمك ، وأيضًا يُعينُك على الفهم وتأخذ الشىءَ من معدنه وأصله ، ومن معينيه الصافي الذي لا كدَرَ فيه فتجدُ من يأخذُ من كتب المتأخرين عبارته ضعيفة ، وفهمه سقيم ؛ لأنَّه يحاول أن يأخذ الواضح فقط وهذه الآفة التى ابتُلى بها كثيرٌ-إلاَّ من رحم الله- في هذا الزمان ، يبحثون عن الكتب الواضحة، ويشتغلون بكتب المتأخرين عن كُتُب المتقدمِّين ؛ لكن كتبُ المتقدمين أبرك وأنفع ، فإنَّك إذا قرأت كتابًا عبارتُه دقيقةٌ ، وأصبحتَ أثناء القراءة تُحاول الفهم تفاعلت مع الشرح ، وأصبحت عندَك مَلَكَةٌ في الفهمِ ، فتقرأ شيئًا يجذبُك وشيئًا تحتاج إلى فكِّه والتفاعل معه ، فإذا فككت الرُّموز أحسستَ بلذَّةِ العلم ، ولذةِ الأثر والظفر فعندها تتقوَّى العزيمة ؛ لَكِنْ إذا جاءَك الشيءُ سهلًا مُيسَّرًا فإنَّك تألفُ الشىءَ السهل المُيَسَّرَ ، فإذا وقفت أمام المُعضِلاتِ والمشكلاتِ لا تَحيرُلها جوابًا ، ولا تحُسنُ فيها المخرج ولكنْ كتبُ المتقدمين على خلاف هذا ، فإنَّك تجدُها دقيقةً مُركَّزةً ، ولذلك تجد من يعتمدُ كتبَ المتقدِّمين في فتاويه يتأثر .. في عباراته يتأثَّر .. في شرحه يتأثر .. كلُّ شىءٍ تجده يقوله في العلم يتأثرُ بأسلوبه وبالشيخ الذي أخذ عنه