ثم قدر الله -تعالى- أن القمر يكتسب ضوءه من الشمس، فإذا كان قريبًا من الشمس في أول النهار لم تسطع الشمس إلا في .. يسيرة، تسطع فيها، فإذا ابتعد ازداد سطوع الشمس، فإذا قابلها كانت في المغرب وهو في المشرق سطعت الشمس فيه كما يسطع السراج في المرآة، فإذا سطعت فيه وإذا هو قد كمل نوره، أي: تكامل نوره فكانت تلك ليلة البدر.
يقدر الله أحيانا أن الأرض تحول بينه وبين الشمس، أي: الأرض التي عليها هذا الخلق تكون حائلة بينه وبين الشمس، وإذا حالت بينهما حصل هذا الانمحاء الذي هو كسوف القمر، يعني: لم تسطع فيه الشمس لوجود هذا الحائل، فكما أنه قد يحول بيننا وبينه الغيم فلا نراه ساطعًا، فكذلك إذا حجزت بينه وبين الشمس الأرض تغير فيكون هذا كسوفه.
ولا شك أنه آية من آيات الله يقدرها كما يشاء، فهو الذي يسيره وهو الذي جعل فيه هذا الانمحاء، وهذا التغير الذي سببه معلوم فهذا هو سبب كسوف القمر.
وأما كسوف الشمس فإنه يكون في آخر الشهر؛ وذلك لأن القمر يسير في كوكب، والأرض تسير في كوكب، وقد يكون بينهما فرق، قد يكون القمر فوقنا والشمس في جهة الجنوب، أي: بعيدة، ومع ذلك كل منهما يجري، ولكن في بعض الأحيان يصير فلك القمر محاذيًا لفلك الشمس وهو دونها بشيء يسير، فإذا كان أحيانًا في آخر الشهر وحاذاها حال القمر بين الناس وبين الشمس، فإذا حال بينهم وبينها حصل هذا الكسوف، وهو عدم إضاءتها وعدم سطوعها.
وهو مع ذلك آية من آيات الله ولو كان سببه معلوما؛ ولأجل ذلك الذين يدققون في الحساب يعرفون متى تكون الشمس محاذية للقمر في آخر الشهر، ويحول بين الناس وبينها، ومتى تكون الأرض حاجزة بين القمر وبين الشمس فيكون منه هذا الكسوف؛ وذلك لأن هناك نجوم يعرفونها، حددت تلك النجوم أن في النجم الفلاني يكون القمر بين الناس وبين الشمس، أو تكون الأرض بين الشمس وبين القمر، ستة نجوم أو سبعة نظمها بعضهم بقوله:
نجوم الكسوف عدد ستة ... على النيرين جميعًا سطينة