بسم الله الرحمن الرحيم
زراعة الأعضاء البشرية [1]
من خلال تجربتى الذاتية
إن المتابع للمد والجذر للحوار بين المسلمين وغيرهم خلال السنوات الأخيرة، يشهد اختلافًا شديدًا، وتقاربًا بسيطًا في العديد من القضايا، التى تشغل عددًا كبيرًا من المثقفين، ومن ذلك موضوع نقل الأعضاء البشرية- أو جزء منها- من إنسان لآخر، وبخاصة"الكبد"الذى يعانى منه الكثير من الناس، بنسب تختلف في الكم والكيف من مجتمع لآخر، وقد شغلت بهذا الموضوع منذ ما يزيد عن خمسة عشر عامًا، وأخذت أتابع الأمر بكل دأب وحرص، وتجمع لدى قدر لا بأس به من الكتب العلمية والدينية والقانونية، والبحوث والمقالات المتنوعة وحوارات المؤتمرات التى كانت تعقد من وقت لآخر، في هذا البلد أو ذاك، فضلًا عما كانت تصدره النقابات الطبية والمراكز البحثية من قرارات وتوصيات؛ للإعلان عن مواقفها في بعض الأمور، التى اشتعل الحوار فيها بالعديد من البلدان العربية والإسلامية، ومع كل ذلك لم تحسم القضية تمامًا، ولا زال الخلاف موجودًا خاصة بين الأطباء في قضية"موت جذع المخ في الإنسان""الموت الإكلينيكى"إلى غير ذلك من الأمور المتصلة بهذا الموضوع بكافة أحواله والتى سوف نعرض لها في الصفحات التالية.
أولًا: دعوة الإسلام إلى البذل والعطاء والتضحية خاصة بين الأقارب:
يأتى التوجه بالدعوة إلى نقل الأعضاء البشرية وزراعتها مقترنًا بعدم إلحاق الضرر بالمتبرع وتحقيق المنفعة للمنقول له، انطلاقًا من دعوة الإسلام إلى إحساس الفرد باحتياج الآخرين، وفق شريعة الإسلام التى تنظر إلى الإنسان على أنه فرد في جماعة يعطيهم ويأخذ منهم سواء أكان ذلك ما لا يزكى به ويتصرف فيه، مع أنه ملك لله- تعالى-، أو كان دمًا لا يضره أن يؤخذ قدر منه تتحقق به المنفعة لمريض في حاجة إلى هذا الدم، الذى سخره الله؛ لتستمر به حركة الحياة، وتزداد قيمة التضحية والعطاء إذا كان التبرع بعضو أو بجزء من الأعضاء بلا تعارض جوهرى في الإقرار بأن كل شئ ملك لله- تعالى- ولا يجادل الناس كثيرًا في حتمية الحرص على سلامة الجسم وتناول العلاج، قال - صلى الله عليه وسلم - للأعراب عندما جاءوا يسألونه عن الدواء فقال: (ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله) [2] ؛ ولذلك يعد التطور العلمى في نقل الأعضاء من إنسان لآخر طفرة حضارية راقية ينبغى استثمارها لخدمة البشرية، وأولى بالمسلمين أن يتحاوروا عنها بما ينعكس أثره على سلامة أبدانهم وزيادة نشاطاتهم في الحياة.
(1) تحدثت عن هذا الموضوع في كلية الشريعة- جامعة جرش الأهلية بالأردن ضمن بحث موسع عن ضوابط الحوار الإسلامى- زراعة الأعضاء البشرية نموذجًا؛ وذلك في شهر ذى القعدة 1429 هـ، نوفمبر"تشرين الثانى"2008 م.
(2) (( رواه البخارى.