فهرس الكتاب
فالتأويل عندي لقوله: (إن كنت زرتني أمس أكرمتك اليوم) إن تكن كنت ممن زارني أمس أكرمتك اليوم، وإن كنت زرتني أمس زرتك اليوم فدلت (كنت) على (تكن) وكذلك قوله عز وجل: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) [المائدة: 116] أي: إن أكن كنت (أو) إن أقل كنت قلته أو أقر بهذا الكلام، وقد حكي عن المازني ما يقارب هذا ورأيت في كتاب أبي العباس بخطه موقعا عند الجواب في هذه المسألة ينظر فيه وأحسبه ترك هذا القول وقال: قال سيبويه في قوله عز وجل: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) [الجمعة: 8] : إنما دخلت الفاء لذكره تفرون ونحن نعلم أنّ الموت ليس يلاقيكم من أجل أنهم فروا كقولك: الذي يأتينا فله درهمان فإنما وجب له الدرهمان من أجل الإتيان ولكن القول فيه والله اعلم إنما هو مخاطبة لمن يهرب من الموت ولم يتمنّه قال الله عز وجل: (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [الجمعة: 6] .
فالمعنى: أي أنتم إن فررتم منه فإنه ملاقيكم ودخلت الفاء لإعتلالهم من الموت عن أنفسهم بالفرار نحو قول زهير:
ومن هاب أسباب المنيّة يلقها ... وإن رام أسباب السّماء بسلّم
ومن يهبها أيضا يلقها ولكنه قال هذا لمن يهاب لينجو ومثل ذلك: إن شتمتني لم اشتمك وهو يعلم أنه إن لم يشتمني لم اشتمه ولكنه قيل هذا؛ لأنه كان في التقدير أنه إن شتم شتم كما كان في تقدير الفارّ من الموت: أن فراره ينجيه.
وقال: قال سيبويه: إنّ حروف الجزاء إذا لم تجزم جاز أن يتقدمها أخبارها نحو: أنت ظالم إن فعلت ثم أجرى حروف الجزاء كلها مجرى واحدا وهذه حكاية قول سيبويه وقد تقول: إن أتيتني آتيك أي: آتيك إن أتيتني قال زهير:
وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم (1)
(1) لا يحسن إن تأتيني آتيك، من قبل أن إن هي العاملة. وقد جاء في الشعر، قال جرير بن عبد الله البجلي