فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 399

ولو كانت الدنيا تنال بغبطة ... وتدبير رأى نيل أعلى المطالب ...

ولكنما الأقدار تجرى بقدرة ... من الله لا يجدى تدابير طالب

قال شيخ شيوخنا الحافظ السيوطى (رحمه الله تعالى) ، وذكر محمد بن الصباح الطبرى: أن أباه شيع الرشيد من خراسان إلى النهروان، فجعل يحادثه في الطريق، ويشكو الرشيد همومه، ويتنفس عنده نفاثات الصدور إلى أن قال له: يا صباح، أظنك لا ترانى بعد هذا، فقلت: بل يطيل الله عمر أمير المؤمنين، ونفديه بأرواحنا ويعيش سالما من الآفات، فقال: إنك لا تدرى ما أجد، فقلت: لا والله، فقال: تعالى حتى أريك ما أخفيه عن غيرك، وتنحى عن الطريق، وأومأ إلى من عنده بالتنحى عنه، فأبعد عنهم وهم يرمقونه بطرف خفى، ثم قال: أمانة الله يا صباح اكتم امرى، فقلت: نعم، فكشف عن بطنه، فإذا عصابة جرير عريض معصوبة على بطنه، فقال: اكتمها عن كل أحد وحولى رقباء، وكل واحد من أولادى يعدون أنفاسى علىّ.

فمسرور رقيب المأمون، وجبريل بن يختيشوع رقيب الأمين، وفلان، وعد ثلاثا، والسينة رقيب المؤتمن، وكل منهم يحصى أيامى وساعاتى، ويستطيل عمرى وحياتى، ويظهر ذلك الآن منهم، فإن طلبت برذونا لركوبى، فيأتون به أعجف ضعيفا، يزيد في علتى، ويضاعف علىّ مرضى، ثم طلب منهم برذونا لركوبه، فأتوه ببرذون عاجز منقطع يتعب راكبه، كما ذكر ـ وهو يدارمهم ويصبر على ما يكابده منهم، فنظر إلىّ نظرة حزين مكروب وركب ذلك البرذون، فقبلت رجله وأودعته، وفارقته، وهم ينظرون إلىّ نظرة خفت عاقبتها، وكف الله تعالى شرهم.

واستمر الرشيد عليلا إلى أن بلغنى وفاته بطوس (رحمه الله تعالى) انظر إلى هذا الملك الجليل، والخليفة النبيل، والسلطان الذى قل أن يوجد له مثيل، وهو عاجز في يد غلمانه مغلوب عليه في ملكه وسلطانه متحسر على عظم شأنه، متأسف على علو مكانه، بيده خزائن الأرض، وما يملك منها نقيرا ولا قطميرا، ولا يقدر على شئ، وكان ربك قديرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت