فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 399

وأرسل إلى الكعبة المعظمة من جاءه بصحيفة عهد والده له ولأخوته؛ فمزقها، وعهد إلى ولد له رضيع سماه الناطق بالحق، ودعا له على المنابر.

وممن نصح الأمين، ومنعه من هذا الغدر والنكث خادم ابن ابن حريمة؛ فقال: يا أمير المؤمنين، لن ينصحك من كذبك، ولم يغشك من صدقك، وإنى أنصحك ولا أصدقك، ولا أكذب في نصحك، لا تجرى العواد على الخلع؛ فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد؛ فينكثون عهدك، وإن الغدر رشوم، والناكث منكوب مغلوب، وصاحب الحق مظلوم وجرت العادة بنصرة المظلوم، وتوجه القلوب إليه، ورقة النفوس له.

ولذلك تأثير في الظاهر والباطن، فأبى الأمين منه، ونبذ كلامه، وعمل برأيه السقيم وصمم على ذلك أشد تصميم، وأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين، ومعه أربعة آلاف مقاتل.

وأرسل جيشا مع على بن عيسى على أخيه المأمون، عدتهم أربعون ألفا، فانهزم عيسى بن على، وقتل وذبح وتشتت عسكره، وجاء طاهر بن حسين برأسه إلى المأمون لذلك: و (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ، غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ) (1) فقوى قلب المأمون لذلك، وكثر أتباعه، ومال الناس إليه، فجمع الجموع، وسار إلى بغداد لقتال أخيه الأمين، ولا زال أمر المأمون يحسن بحسن تدبيره، وإتيان الناس إليه، ويضعف أمر الأمين بكثرة لهوه، وتقصيره، ونفور القلوب عنه، إلى أن حضر في بغداد، وتفرقت عنه جنوده، وهربوا إلى المأمون، كل ذلك والأمين في لهوه وغفلته، ولعبه مع نسائه بحضرته واحتجابه عن أهل دولته، إلى أن هجم طاهر بن الحسين، ودخل بغداد، فجاء مسرور الخادم إلى الأمين، وهو في جنب حوض ماء، مع جواريه يصيد معهن السمك في ذلك الحوض.

وكان وضع في أنف كل سمكة درة نفيسة، شبكتها بقصب الذهب، فكل من صادت من جواريه سمكة كانت الدرة التى في أنفها لصائدتها، فرفع

(1) الآية رقم 249 من سورة البقرة، مدنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت