فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 224

كانوا موصوفين بالصفات المعتبرة في التواتر، وأن الذين أخبروا من أخبرهم كانوا كذلك، إلى أن يتصل النقل بزمان الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

والآخر: أن هذه الألفاظ لو لم تكن موضوعة لهذه اللغات ثم وضعها واضع لهذه المعانى، لاشتهر ذلك وعرف، فإن ذلك مما تتوفر الدواعى على نقله.

قلنا: أما الأول فغير صحيح، لأن كل واحد منّا حين سمع لغة مخصوصة من إنسان، فإنه لم يسمع منه أنه سمعه من أهل التواتر، وهكذا بل تحرير هذه الدعوى على هذا الوجه، مما لا يفهمه كثير من الأدباء، فكيف يدعى عليهم أنهم علموه بالضرورة؟ بل الغاية القصوى في راوى اللغة أن يسنده إلى كتاب صحيح، أو إلى إسناد متقن، ومعلوم أن ذلك لا يفيد اليقين.

وأما الثانى فضعيف أيضا، لأن ذلك الاشتهار إنما يجب في الأمور العظيمة، وليس هذا منه، سلمنا أنه منه، لكن لا نسلم أنه لم يشتهر، فإنه قد اشتهر، بل بلغ مبلغ التواتر: أن هذه اللغات إنما أخذت عن جمع مخصوص كالخليل، وأبى عمرو، والأصمعى، وأقرانهم، ولا شك أن هؤلاء ما كانوا معصومين، ولا بالغين حد التواتر، وإذا كان كذلك لم يحصل القطع واليقين بقولهم.

أقصى ما في الباب أن يقال: نعلم قطعا أن هذه اللغات بأسرها غير منقولة على سبيل الكذب، ونقطع بأن فيها ما هو صدق قطعا، لكن كل لفظة عيّنّاها فإنا لا يمكننا القطع بأنها من قبيل ما نقل صدقا، وحينئذ لا يبقى القطع في لفظ معين أصلا، هذا هو الإشكال على من ادعى التواتر في نقل اللغات ... هذا كلام الإمام (1) .

(1) الإمام فخر الدين الرازى كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت