فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 410

بغاية الإعظام، ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزوال، ثم ينصرفان، فأتياه يوما فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في ابن قتيبة (1) ؟ قال: هي التي بلغتكما. قالا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب، قال: نعم، إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف، قالا: فأنشدناها يا أبا معاذ، فأنشدهما:

بكّرا صاحبيّ قبل الهجير ... إنّ ذاك النجاح في التبكير (2)

حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان إن ذاك النجاح: بكّرا فالنجاح؛ كان أحسن، فقال بشار: إنما بنيتها أعرابيّة وحشية، فقلت: إن ذاك النجاح، كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: بكرا فالنجاح؛ كان هذا كلام المولّدين، ولا يشبه ذلك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة، قال: فقام خلف، فقبل بين عينيه؛ فهل كان ما جرى بين خلف وبشار بمحضر من أبي عمرو بن العلاء ـ وهم من فحولة هذا الفن ـ إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟

محيصن، وغيرهم. وروى عنه كثير منهم عبد الله بن المبارك، ويحيى بن المبارك اليزيدي وغيرهما، ولد بمكة سنة 68 ه‍، وتوفي سنة 154 ه‍. (شذرات الذهب 1/ 237، غاية النهاية 1/ 288) .

خلف: هو خلف بن حيان، أبو محرز البصري المعروف بخلف الأحمر، توفي سنة 180 ه‍، صنف كتاب خيال العرب وما قيل فيه من الشعر.(كشف الظنون 5/ 348، وانظر ترجمته في:

مراتب النحويين 46، طبقات النحويين 161، نزهة الألباء 37، إنباه الرواة 1/ 348، بغية الوعاة 242).

هو أبو معاذ، بشار بن برد، شاعر، راجز، شجاع، خطيب، صاحب منثور ومزدوج، له رسائل معروفة، هكذا وصفه الجاحظ، أصله من طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة، يلقب بالمرعّث، لقب بذلك لأنه كانت في أذنه حلقة في صغره (والمرعّث: الذي في أذنه رعاث، وهو جمع رعثة وهي القرط) ، رمي بشار بن برد بالزندقة، ويروى أنه كان يفضّل النار على الأرض، ويصوب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم، ونسب إليه القول:

الأرض مظلمة والنار مشرقة ... والنار معبود مذ كانت النار

فأمر المهدي العباسي بضربه، فضرب سبعين سوطا، فمات من ذلك سنة 168 ه‍، وقيل سنة 167 ه‍، وكان قد هجا المهدي (معجم الشعراء المخضرمين والأمويين ص 60 ـ 61) .

(1) ابن قتيبة: ليس هو ابن قتيبة الدينوري، لأنه لم يعاصر الأعلام السابق ذكرهم، فقد توفي ابن قتيبة الدينوري سنة 276 ه‍، والفارق بينهم مائة سنة على الأقل. وهو سلم بن قتيبة والي أبي جعفر المنصور على البصرة.

(2) البيت من الخفيف، وهو في ديوان بشار ص 121، (طبعة دار الثقافة) ، ودلائل الإعجاز ص 272، 316، 323، والإشارات والتنبيهات للجرجاني ص 31، والأغاني 3/ 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت