فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 410

واعلم أن الفعل المبنيّ للفاعل في المجاز العقلي واجب أن يكون له فاعل في التقدير، إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقة؛ لما يشعر بذلك تعريفه كما سبق.

وذلك قد يكون ظاهرا، كما في قوله تعالى: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) [البقرة: الآية 16] فما ربحوا في تجارتهم.

وقد يكون خفيا، لا يظهر إلا بعد نظر وتأمل، كما في قولك: «سرّتني رؤيتك» أي: سرني الله وقت رؤيتك، كما تقول: «أصل الحكم في أنبت الربيع البقل» أنبت الله البقل وقت الربيع، وفي «شفى الطبيب المريض» شفى الله المريض عند علاج الطبيب، وكما في قولك: «أقدمني بلدك حقّ لي على فلان» أي: أقدمتني نفسي بلدك لأجل حقّ لي على فلان، أي: قدمت لذلك، ونظيره «محبتك جاءت بي إليك» أي: جاءت بي نفسي إليك لمحبتك، أي: جئتك لمحبتك، وإنما قلنا: «إن الحكم فيهما مجاز» لأن الفعلين فيهما مسندان إلى الداعي، والداعي لا يكون فاعلا، وكما في قول الشاعر:

وصيّرني هواك، وبي ... لحيني يضرب المثل (1)

أي: وصيرني الله لهواك وحالي هذه، أي أهلكني الله ابتلاء، بسبب هواك. وكما في قول الآخر وهو أبو نواس:

يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا (2)

أي يزيدك وجهه حسنا في وجهه ـ لما أودعه من دقائق الجمال ـ متى تأمّلت.

وأنكر السكاكي وجود المجاز العقلي في الكلام، وقال: الذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية، بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه ـ على ما عليه مبنى الاستعارة، كما سيأتي ـ وجعل نسبة الإثبات إليه قرينة للاستعارة، وبجعل الأمير المدبّر لأسباب هزيمة العدوّ استعارة بالكناية عن الجند الهازم، وجعل نسبة الهزم إليه قرينة للاستعارة.

وفيما ذهب إليه نظر، لأنه يستلزم أن يكون المراد بـ «عيشة» في قوله تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) (21) [الحاقّة: الآية 21] صاحب العيشة، لا العيشة، وب «ماء» في قوله تعالى: (خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ) (6) [الطّارق: الآية 6] فاعل الدفق، لا المنيّ؛ لما سيأتي من تفسيره للاستعارة بالكناية.

(1) البيت لابن البواب علي بن هلال الكاتب في دلائل الإعجاز ص 91، ولمحمد بن أبي محمد اليزيدي في الأغاني 20/ 256.

(2) البيت من مجزوء الوافر، وهو بلا نسبة في نهاية الإيجاز ص 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت