فهرس الكتاب
وقد ظهر من هذا أن قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا) [الأعراف: الآية 4] ليس واردا على القلب؛ إذ ليس في تقدير القلب فيه اعتبار لطيف، وكذا قوله تعالى: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى) (8) [النّجم: الآية 8] ، وكذا قوله تعالى: (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ) (28) [النّمل: الآية 28] فأصل الأول: أردنا إهلاكها، فجاءها بأسنا، أي إهلاكنا، وأصل الثاني: ثمّ أراد الدنّو من محمد صلّى الله عليه وسلّم فتدلّى فتعلق عليه في الهواء، ومعنى الثالث: تنحّ عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه؛ ليكون ما يقولونه بمسمع منك فانظر ما ذا يرجعون فيقال: إنه دخل عليها من كوّة، فألقى الكتاب إليها، وتوارى في الكوّة.
وأما قول خداش:
وتشقى الرّماح بالضّياطرة الحمر (1)
فقد ذكر له سوى القلب وجهان؛ أحدهما: أن يجعل شقاء الرماح بهم استعارة عن كسرها بطعنهم بها، والثاني: أن يجعل نفس طعنهم شقاء لها؛ تحقيرا لشأنهم، وأنهم ليسوا أهلا لأن يطعنوا بها، كما يقال: شقي الخزّ بجسم فلان، إذا لم يكن أهلا للبسه.
وقيل في قول قطري بن الفجاءة:
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام (2)
إنه من باب القلب على أن «لم أصب» بمعنى لم أجرح أي قارح البصيرة جذع الإقدام، كما يقال: إقدام غر ورأي مجرّب، وأجيب عنه بأن «لم أصب» بمعنى لم ألف، أي ألف بهذه الصفة، بل وجدت بخلافها جذع الإقدام قارح البصيرة، على أن قوله: «جذع البصيرة قارح الإقدام» حال من الضمير المستتر في «لم أصب» فيكون متعلقا بأقرب مذكور، ويؤيد هذا الوجه قوله قبله:
لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوّفا لحمام (3) ...
فلقد أراني للرّماح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي
(1) صدر البيت:
ونركب خيلا لا هوادة بينها
والبيت من الطويل، وهو لخداش بن زهير في الأضداد ص 153، وأمالي المرتضى 1/ 466، ولسان العرب (ضطر) ، وبلا نسبة في سر صناعة الإعراب 1/ 323، والصاحبي في فقه اللغة ص 203.
(2) البيت من الكامل، وهو لقطري بن الفجاءة في ديوانه ص 172، ولسان العرب (بزل) .
(3) الأبيات من الكامل، وهي في ديوان قطري بن الفجاءة ص 171.