فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 410

ولذلك كان الحكم النادر موقعا لـ «إن» لأنّ النادر غير مقطوع به في غالب الأمر، وغلب لفظ الماضي مع «إذا» لكونه أقرب إلى القطع بالوقوع: نظرا إلى اللفظ.

قال الله تعالى: (فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ) [الأعراف: الآية 131] أتى في جانب الحسنة بلفظ «إذا» لأن المراد بالحسنة الحسنة المطلقة التي حصولها مقطوع به؛ ولذلك عرّفت تعريف الجنس، وجوّز السكاكيّ أن يكون تعريفها للعهد، وقال: وهذا أقضى لحقّ البلاغة، وفيه نظر. وأتى في جانب السيئة بلفظ «إن» لأنّ السيئة نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة؛ ولذلك نكرت.

ومنه قوله تعالى: (وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) (36) [الرّوم: الآية 36] أتى بـ «إذا» في جانب الرحمة، وأما تنكيرها فجعله السكاكي للنوعية؛ نظرا إلى لفظ الإذاقة، وجعله للتقليل ـ نظرا إلى لفظ الإذاقة كما قال ـ أقرب.

وأما قوله تعالى: (وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ) [الرّوم: الآية 33] بلفظ «إذا» مع الضّرّ؛ فللنظر إلى لفظ المسّ، وإلى تنكير الضّر المفيد في المقام التوبيخي القصد إلى اليسير من الضّرّ، وإلى الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضرّ، وللتنبيه على أن مساس قدر يسير من الضّر لأمثال هؤلاء حقه أن يكون في حكم المقطوع به.

وأما قوله تعالى: (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ) [فصّلت: الآية 51] بعد قوله عزّ وجلّ: (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ) [فصّلت: الآية 51] أي أعرض عن شكر الله، وذهب بنفسه، وتكبّر وتعظم؛ فالذي تقتضيه البلاغة أن يكون الضمير في مسّه للمعرض المتكبّر، ويكون لفظ «إذا» للتنبيه على أن مثله يحقّ أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا به.

قال الزمخشري: وللجهل بموقع «إن» و «إذا» يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب، فيغلطون، ألا ترى إلى عبد الرحمن بن حسان كيف أخطأ بهما الموقع في قوله يخاطب بعض الولاة، وقد سأله حاجة فلم يقضها، ثم شفع له فيها فقضاها:

ذممت ولم تحمد، وأدركت حاجتي ... تولّى سواكم أجرها واصطناعها (1)

(1) الأبيات من الطويل، ويروى عجز البيت الثالث:

عصاها وإن تأمر بسوء أطاعها

والبيت الثالث لسعيد بن عبد الرحمن في الأغاني 8/ 271، والبيان والتبيين 3/ 187، وشرح عمدة الحافظ ص 373، ولعبد الرحمن بن حسان بن ثابت في أمالي القالي 2/ 222، والحماسة البصرية 2/ 266، والعقد الفريد 6/ 192، وعيون الأخبار 3/ 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت