فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 410

«لعل» متعلقة بـ «خلقكم» لا بـ «اعبدوا» وهذا من غوامض التغليب، وكقوله تعالى: (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) [الشّورى: الآية 11] فإن الخطاب فيه شامل للعقلاء والأنعام، فغلّب فيه المخاطبون على الغيّب، والعقلاء على الأنعام، وقوله تعالى: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) أي يبثّكم، ويكثّركم في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجا، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، فجعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبثّ والتكثير، ولذلك قيل: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) [الشّورى: الآية 11] ولم يقل: «به» كما في قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [البقرة: الآية 179] .

واعلم أنه لما كانت هاتان الكلمتان لتعليق أمر بغيره ـ أعني الجزاء بالشرط ـ في الاستقبال؛ امتنع في كل واحدة من جملتيهما الثبوت، وفي أفعالهما المضيّ، أعني أن يكون كلتا الجملتين أو إحداهما اسميّة أو كلا الفعلين أو أحدهما ماضيا.

ولا يخالف ذلك لفظا ـ نحو إن أكرمتني أكرمتك، وإن أكرمتني أكرمك، وإن تكرمني أكرمتك، وإن تكرمني فأنت مكرم، وإن أكرمتني الآن فقد أكرمتك أمس ـ إلا لنكتة ما، مثل إبراز غير الحاصل في صورة الحاصل، إما لقوة الأسباب المتآخذة في وقوعه، كقولك: «إن اشترينا كذا» حال انعقاد الأسباب في ذلك، وإما لأن ما هو للواقع كالواقع، كقولك: «إن متّ كان كذا وكذا» كما سبق، وإما للتفاؤل، وإما لإظهار الرغبة في وقوعه، نحو: إن ظفرت بحسن العاقبة فهو المرام؛ فإن الطالب إذا تبالغت رغبته في حصول أمر، يكثر تصوّره إياه، فربما يخيّل إليه حاصلا، وعليه قوله تعالى: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) [النّور: الآية 33] . وقد يقوى هذا التخيل عند الطالب حتى إذا وجد حكم الحسّ بخلاف حكمه غلّطه تارة واستخرج له محملا أخرى، وعليه قول أبي العلاء المعري:

ما سرت إلّا وطيف منك يصحبني ... سرى أمامي، وتأويبا على أثري (1)

يقول: لكثرة ما ناجيت نفسي بك انتقشت في خيالي، فأعدّك بين يديّ مغلّطا للبصر بعلّة الظلام إذا لم يدركك ليلا أمامي وأعدّك خلفي إذا لم يتيسّر لي تغليطه حين لا يدركك بين يديّ نهارا، وإما لنحو ذلك.

قال السكاكي: أو للتعريض كما في قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزّمر: الآية 65] ، وقوله تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا

(1) البيت من البسيط. والسرى: سير الليل، والتأويب: سير النهار كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت