فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 303

إلى ماء إذا صادف في الجوّ طبقة باردة ولكنه يراها:

كأن الغيوم جيوش تسوم ... من العدل في كلّ أرض صلاحا (1) ...

إذا قاتل المحل فيها الغمام ... بصوب الرّهام أجاد الكفاحا (2) ...

يقرطس بالطّلّ فيه السّهام ... ويشرع بالوبل فيه الرّماحا (3) ...

وسلّ عليه سيوف البروق ... فأثخن بالضرب فيه الجراحا (4) ...

ترى ألسن النور تثنى عليه ... فتعجب منهن خرسا فصاحا (5)

وقد يتظاهر الأديب بإنكار أسباب حقائق العلم، ويتلمس لها من خياله أسبابا تثبت دعواه الأدبية وتقوّى الغرض الذى ينشده، فكلف البدر الذى يظهر في وجهه ليس ناشئا عما فيه من جبال وقيعان جافة كما يقول العلماء، لأن المعرّى (6) يرى لذلك سببا آخر فيقول في الرثاء:

وما كلفة البدر المنير قديمة ... ولكنها في وجهه أثر اللّطم (7)

ولا بد في هذا الأسلوب من الوضوح والقوة؛ فقول المتنبى:

قفى تغرم الأولى من اللّحظ مهجتى ... بثانية والمتلف الشاء غارمه (8)

غير بليغ؛ لأنه يريد أنه نظر إليها نظرة أتلفت مهجته، فيقول لها قفى لأنظرك نظرة أخرى ترد إلىّ مهجتى وتحييها، فإن فعلت كانت النظرة غرما لما أتلفته النظرة الأولى.

(1) تسوم من العدل في كل أرض صلاحا، أى تولى كل أرض صلاحا بالخصب والنماء.

(2) المحل: الجدب وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ، والصواب: نزول المطر، والرهام: جمع رهمة وهى المطر الضعيف الدائم، والكفاح: القتال والمدافعة.

(3) القرطاس: الغرض أو الهدف، ويقال قرطس الرامى إذا أصاب القرطاس أى الغرض، فهو يقول: إن الغمام يسدد السهام إلى المحل فيقضى عليه، ومعنى يشرع الرماح يسددها، والوبل: المطر الشديد الضخم القطر.

(4) أثخن بالضرب فيه الجراح: بالغ الجراحة فيه.

(5) النور: الزهر.

(6) المعرى: هو أبو العلاء المعرى اللغوى الفيلسوف الشاعر المشهور، ولد بالمعرة وهى بلد صغير بالشام، وعمى من الجدرى وهو في الرابعة من عمره، وتوفى بالمعرة سنة 449 ه

(7) الكلفة: حمرة كدرة تعلو الوجه.

(8) غرم ما أتلفه: لزمه أداؤه، وتغرم جواب قفى وفاعله الأولى، ومن اللحظ بيان للأولى، ومهجتى مفعول تغرم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت