فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 194

الأول في مكانه الطبيعى الذي يمنع اللّبن الآخر أن يزول عن موضعه، يتعاون كله على الثبات. فإذن البناء علة بالعرض للبيت، وكذلك الأب علة بالعرض للابن، فإنه علة لتحريك المنيّ إلى القرار، ثم ينحفظ المنى في القرار بطبعه، أو بمانع آخر يمنعه السيلان، وهو انضمام فم الرحم، ثم قبوله للصورة الإنسانية لذاته. وأما مفيد الصورة فهو واهب الصور، فهذا بعض حججهم.

وأما إثبات المذهب فيما نقوله: فيجب أن تعلم أن كل معلول فله صفتان، وكل علة فلها صفتان، أما ما للمعلول، فإحداهما أن وجوده مستفاد من العلة، والثاني أن العدم يسبق ذلك الوجود، فيكون تعلق المعلول بالعلة إما من جهة وجوده أو من جهة سبق العدم. ومحال أن تكون العلة علة لسبق العدم، فإن عدم الشاء لا علة له إلا عدم علة الوجود، فليس للعلة تأثير في سبق العدم. ثم إن لم يكن للمعلول تعلق بالعلة من جهة الوجود، لم يكن له تعلق بالعلة أصلا. فإذن قد يجب أن يكون تعلق المعلول بالعلة من جهة الوجود لا غير. وأما كون ذلك الوجود بعد العدم فإنه لم يصر بعلة، فإنه لا يمكن أن يكون وجود ذلك المعلول إلا بعد عدم، وما لا يمكن فلا علة له، فإن الممتنع لا علة له، فليس لوجوده من بعد عدم سبب من حيث هو وجود بعد عدم. فإن هذا الوجود لا يمكن أن يكون إلا بعد عدم، فإن الوجود الذي سبقه العدم لا يصح أن يكون إلا بعد سبق العدم، لأنه يسبقه العدم بذاته، فلا علة له. فلا إمكان لوجوده بعد عدم من حيث هو بعد العدم، وإنما الإمكان للوجود من حيث هو وجود فحسب. وأما كونه بعد العدم فهو ضرورى لا ممكن. فالمعلول يحتاج إذن إلى العلة في وجوده، وهو ممكن، إذ إمكانه في وجوده فقط، ولا حاجة له إلى العلة في أن يكون بعد العدم، فإن هذا المعنى هو واجب لذلك الوجود، وما كان واجبا لم يحتج إلى علة من خارج. والشاء لا يتغير جوهره. ولما كان المعلول محتاجا إلى العلة ومتعلقا بها من هذه الجهة، وجب أن يكون مثل هذا الوجود دائما محتاجا إلى العلة. وهذه الصفة مقومة لمثل هذا الوجود، أعنى الحاجة إلى العلة. فإذن المعلول في أنه يحتاج في وجوده إلى العلة مقوم ذلك، وإلا كان واجبا بذاته، ولم يكن واجبا بغيره، فإذن العلة علة الوجود. وأما سبق العدم فعلته أن تلك العلة لم تكن موجودة، لا شاء آخر. فتكون العلة لها حالتان: إحداهما: أن لم يكن سبب الوجود، والأخرى أن صار في ذلك الوقت سببا للوجود. فإذن عليّتها لسبق العدم هو لا كونها علة للوجود، ولا عليتها ليست هى علة، ولا يدخل في حكم كونها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت