فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 72

فيها، والآثار المحكيّة عن قدمائهم، ليرى الاعاجيب عن قولهم بانه كان في الاصل ماء (1) ، فتحرك، واجتمع زبد، وانعقد منه الارض، وارتفع منه الدخان، وانتظم منه السماء. ثم ما يقوله اليهود والمجوس وسائر الامم، مما يدل جميعه على الاستحالات والتغاير، التي هي اضداد الابداع. وما يوجد لجميعهم مما سيؤول اليه امر السماوات والارضين من طيها ولفها وطرحها في جهنم وتبديدها؛ وما اشبه ذلك مما لا يدل شيء منه علي التلاشي المحض. ولو لا ما انقذ اللّه اهل العقول والاذهان بهذين الحكيمين، ومن سلك سبيلهما ممن وضّحوا امر الابداع (2) بحجج واضحة مقنعة، وانه ايجاد الشيء لا عن شيء، وان كل ما يتكوّن من شيء ما فانه يفسد، لا محالة، الى ذلك الشيء؛ والعالم مبدع من غير شيء، فمآله الى غير شيء؛ فيما شاكل ذلك من الدلائل والحجج والبراهين التي توجد كتبهما مملوّة منها، وخصوصا ما لهما في الربوبية وفي مبادئ الطبيعة، لكان الناس في حيرة ولبس. غير ان لنا في هذا الباب طريقا نسلكه يتبين به امر تلك الاقاويل الشرعية، وانها على غاية السداد والصواب.

(1) يغمز الفارابي من قناة اليهود الذين يقولون ـ بنظره ـ بقدم العالم لأنه ورد في التوراة أن في البدء كان الماء، ومن الماء تكونت الكائنات المختلفة.

(2) معني الابداع عند الفارابي كما فهمه من افلاطون وارسطو هو ايجاد الشيء عن لا شيء، وهذا المعني سبق اليه الكندي عندما قال انه ايجاد الأبيسات عن الليس (انظر رسالة الكندي في الفلسفة الأولي، ضمن رسائله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت