فهرس الكتاب
الكيفية، فيقصد مكة ذوو الترف واليسار، وأناس كانوا يتوقفون عن أداء هذه الفريضة بسبب ما كانوا يخشونه من الأمراض، أو من فقد أسباب الراحة التي ألفوها.
ولا ينبغي أن يظنّ أنّ تقدّم المسلمين في المعارف، ورقيهم في سلّم المدنية في المستقبل قد ينتهيان بتناقص عدد حجاج البيت الحرام، فقد ترقت الأمم الأوربية كثيرا في المدنية، وغلبت على قسم كبير منها الفلسفة واللادينية، ولا يزال زوار القدس من المسيحيين كلّ سنة عددا كبيرا، ولا يزال قصّاد رومة كلّ سنة من الكاثوليك عددا أكبر، وما يقدر العلم أن يصنع شيئا مع الدين، ما دام سرّ الكون النهائي لا يبرح مغلقا، وما دام الإنسان عاجزا عن مكافحة الموت، لا بدّ للخلق من الدين، وما ثورات الإلحاد إلا غمرات ثم ينجلين.
فالنزعات اللادينية والنزعات الإلحادية التي تعرض على المجتمع الإنساني في [هذه] الأحايين، إن هي إلا عوارض مؤقتة، لا يمكن أن تكسب شكلا عاما، ولا أن تقوم مقام العقائد الدينية الضرورية للبشر، وقد سبقت لها أماثيل متعددة في تاريخ أكثر الأمم، وعصفت ريح الإلحاد في بعض الحقب، ثم لم تلبث أن هدأت واستقرّت، وعاد الأمر كما بدأ.
وفي الثورة الفرنسوية الكبرى أقفلوا الكنائس، وقتلوا القسيسين، وشرّدوا جميع خدمة الدين، واغتصبوا الأوقاف، وأزالوا عنها صفة الوقف، وجعلوا العبادة للعقل، وظنّ النّاس أنّ الكنيسة الكاثوليكية في فرنسة دخلت في ذمة التاريخ، وصارت أثرا بعد عين، ولكن لم تمض بضع سنوات على هذا العمل حتى ركدت تلك الزوبعة، وعادت العقيدة الدينية إلى نصابها (1) .
(1) [وهذا ما حدث أيضا في الاتحاد السوفيتي سابقا] .